أميركا والعراق.. معضلة إستراتيجية   
الأحد 1424/1/28 هـ - الموافق 30/3/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

* عماد طاحون

تساؤلات كثيرة فرضها الهدف المعلن لإدارة الرئيس الأميركي جورج بوش بضرورة نزع أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة، والذي تتمسك به هذه الإدارة كحجة لشن حرب على بغداد للقضاء على نظام الرئيس صدام حسين. ولعل أكثر هذه التساؤلات إلحاحا هو: لماذا الإصرار الأميركي على ضرب العراق رغم إجماع معظم دول العالم وشعوبها على رفض هذا المخطط؟

هذا المقال لا يعنى بالإجابة عن التساؤل وإنما ينصب اهتمامه بإبراز معضلات إستراتيجية يثيرها التساؤل نفسه، وذلك لأنها تساهم في استكشاف بعض ملامح الرؤية الأميركية الجديدة للعالم وموقعها فيه. فقد أكدت بعض الدراسات أن التصعيد الأميركي تجاه العراق هو نقطة الانطلاق نحو تحقيق طموحات واشنطن المستقبلية في العالم، كما أنها توضح مدى القطيعة التي حدثت بين إدارة بوش والإدارات السابقة.

أميركا.. وقيادة العالم
صحيح أن الولايات المتحدة تتمتع بوضع ومكانة كبيرين في النظام العالمي المعاصر، فمنذ سقوط الاتحاد السوفياتي وهي تتربع على عرش هذا النظام، ولكن تعاملها مع المسألة العراقية فجر قضية هامة وهي: هل واشنطن قادرة بالفعل على قيادة النظام الدولي بما يحقق رغباتها وهيمنتها وبدون أن تكون سياستها الخارجية محكومة برؤى دولية أخرى تعرقل طموحاتها المستقبلية؟ وهل هي جديرة بقيادة العالم حقا؟


أصبحت واشنطن تواجه انتقادات كثيرة من دول العالم صغيرها وكبيرها بسبب ازدواجية المعايير في سياستها الخارجية في كثير من القضايا الدولية، ومن ذلك مثلا أنها تناصر أحيانا مصالح وقضايا لا تتفق مع أحكام الشرعية الدولية ولا القيم الإنسانية
بالنظر إلى السياسة الخارجية الأميركية خلال الفترة الراهنة نلاحظ أنها فشلت فشلا ذريعا في العديد من أرجاء العالم، فقد عجزت عن إحراز تقدم في عملية السلام بالشرق الأوسط لانحيازها الواضح للجانب الإسرائيلي، وفشلت في احتواء كل من العراق وإيران، كما فشلت في احتواء البرنامج النووي الكوري الشمالي بسبب دعمها للمشروع النووي الإسرائيلي، إلى جانب أنها فشلت في إحداث تغيير إستراتيجي في سياسة كل من الصين وكوبا. والشواهد كثيرة على العجز الأميركي في بقاع أخرى من العالم.

ومن الملاحظ أن واشنطن أصبحت تواجه انتقادات كثيرة من دول العالم صغيرها وكبيرها بسبب ازدواجية المعايير في سياستها الخارجية في كثير من القضايا الدولية، ومن ذلك مثلا أنها تناصر أحيانا مصالح وقضايا لا تتفق مع أحكام الشرعية الدولية ولا القيم الإنسانية. ولذلك فقد عارضت روسيا السياسات الأميركية بتوسيع حلف الناتو وأطماعها في منطقة آسيا الوسطى، وتقف فرنسا أمام الرؤية الأميركية التي تريد فرضها في العالم، كما أن الصين تتحفظ كثيرا على التوجهات الأميركية وتعارضها، لكنها تفضل عدم الدخول معها في صدامات مباشرة حتى تتفرغ لطموحاتها الاقتصادية التي تصبو إليها.

والمسألة العراقية ليست ببعيدة عن هذا الطرح، بل هي في قلبه، فالإصرار الأميركي على ضرب العراق حتى بدون غطاء شرعي من مجلس الأمن، يقابله إجماع معظم دول العالم على رفض هذا المخطط وخصوصا فرنسا وألمانيا وروسيا والصين.

ويؤكد الفريق المناهض للحرب على العراق رفضه للرؤية الأميركية (الهيمنة والسيطرة على مناطق النفوذ في العالم) التي أجمع المحللون على أن العراق هو بوابة واشنطن لفرضها، وكأن هذا الفريق يريد أن يقول للإدارة الأميركية إنه متمسك بمضمون العلاقات الدولية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية، والذي اعتمد على المسؤولية الجماعية للسلم والأمن الدوليين والمتمثلة في مجلس الأمن الدولي. لذا فالخلاف الناشب بين الولايات المتحدة من جهة وفرنسا وروسيا وألمانيا والصين وغيرها من جهة أخرى، هو خلاف بالأساس حول أسس العلاقات الدولية قبل أن يكون خلافا على العراق.

وفي التحليل الأخير تؤكد لنا المسألة العراقية ومواقف الأطراف الدولية منها أن الولايات المتحدة فقدت الشروط التي تؤهلها لأن تصبح جديرة بقيادة النظام العالمي بما يقنع دول العالم وخصوصا الدول المحورية فيه، لأنها تحولت إلى قيادة غاشمة وغير عادلة وفارغة من مضمونها الأخلاقي، فرغم توافر شرط الرغبة الأميركية في قيادة العالم فإنها خسرت شرط احترامها عالميا على الصعيد الأخلاقي.

وهذه المعضلة التي تواجه السياسة الأميركية في الوقت الراهن وهي معضلة القيادة والنفوذ في العالم، جديرة بالملاحظة والتحليل لأنها:

  • يمكن أن تقدم منظورا جديدا لدى رجال الفكر والساسة يناهض الرؤية الأميركية بشأن مستقبلها في النظام الدولي، بما يؤدي إلى إعادة إفراز نموذج عالمي تنحصر فيه حدود القوة الأميركية، ويرجع ذلك إلى قناعة المجتمع الدولي بانتقاص أهلية وجدارة واشنطن في قيادة العالم، وإلى تصاعد التيار الانعزالي الذي ترجع جذوره إلى مبدأ مونرو عام 1823 الذي وضع أسسه جورج واشنطن داخل الولايات المتحدة والذي يرفض أن تتحمل بلاده مسؤوليات وأعباء القيادة في النظام الدولي، لتخوفه من عواقب استدراجها كي تلعب دور رجل الشرطة العالمي. وكانت الانتخابات الرئاسية عام 1992 التجسيد الحي لعودة هذا التيار بقوة إلى الحياة السياسية الأميركية، وقد مثله بات بوكانن في الانتخابات الأولية بالحزب الجمهوري والذي رفع شعار "أميركا أولا".
  • يترتب عليها مستقبل الدعم الأميركي لإسرائيل والذي يؤثر بدوره على مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي، فلا يخفى على أحد أن الثقل السياسي لواشنطن أعطى الكثير لتل أبيب، مما أدى إلى اختلال موازين القوى لصالحها في صراعها مع العرب. ومن المنطقي أنه عندما ينتصر التيار الانعزالي الأميركي مع تزايد الرغبة والمقاومة الدولية لانحصار القوة الأميركية، سينتهي الدعم السياسي والعسكري الذي تتلقاه إسرائيل من الولايات المتحدة، مما يساعد على علاج هذا الخلل الذي يميل لصالح الدولة العبرية.


كانت سياسة الاحتواء المزدوج جوهر السياسة الأميركية في منطقة الخليج بعد حرب الخليج الثانية التي أعطت الفرصة لأميركا لبسط سيطرتها ووجودها في المنطقة. وعندما جاء جورج بوش إلى السلطة أبقى على الملامح الأساسية لهذه السياسة التي ورثها عن سابقه بيل كلينتون
الثابت والمتغير في الإستراتيجية الأميركية تجاه العراق

كانت سياسة الاحتواء المزدوج هي جوهر السياسة الأميركية في منطقة الخليج بعد حرب الخليج الثانية التي أعطت الفرصة لأميركا لبسط سيطرتها ووجودها في المنطقة. وعندما جاء جورج بوش إلى السلطة أبقى على الملامح الأساسية لهذه السياسة التي ورثها عن سابقه بيل كلينتون، ولكنه بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 أعلن أن إسقاط نظام الرئيس صدام حسين بالقوة العسكرية أصبح هدفا يجب تنفيذه.

ومنذ ذلك الحين برز خلاف بشأن الاقتراب الأميركي الراهن من المسألة العراقية، فهل هو استمرار للاقتراب الذي وضع أسسه الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، أم هو اقتراب مختلف يعكس مفهوما جديدا في قراءة الأوضاع في منطقة الخليج والشرق الأوسط، بل وللأوضاع في العالم كله؟

هناك بعض الآراء التي تقول إن الإدارة الأميركية تيقنت بأن سياسة الاحتواء المزدوج أثبتت فشلها سواء بالنسبة للعراق أو إيران، وأصبح من الضروري إجراء مراجعة شاملة عليها، وكانت أحداث سبتمبر/ أيلول الدافع الذي فرض ضرورة إنهاء هذه السياسة بإسقاط صدام حسين. وهذا يؤكد أن التوجه إزاء العراق بعد أحداث سبتمبر هو امتداد لهذه السياسة، وهو المرحلة الثانية لها وليس مختلفا عنها. غير أن الذي حدث هو تغير الظروف التي حملت بوش على إنهاء هذه السياسة بتغيير النظام العراقي عبر خطوات وإجراءات ملموسة. ويستشهد أصحاب هذا الرأي بتصريحات كلينتون في أواخر حكمه والتي تدل على قناعته بضرورة إسقاط صدام حين قال "إن صدام حسين يمثل عقبة أمام تقدم شعبه ورخائه، وتهديدا لسلامة المنطقة وأمن العالم". وأضاف كلينتون "إن أفضل طريق على المدى الطويل لمواجهة هذا التهديد يتم من خلال حكومة جديدة في بغداد تلتزم باحترام شعبها لا بقمعه وتلتزم بالسلام في هذه المنطقة".

وثمة رأي آخر يقول إن ما نشهده حاليا بين واشنطن وبغداد ليس ببعيد عن التحليلات التي تناولت المستجدات التي أحدثتها إدارة بوش في الإستراتيجية الأميركية الكونية، فعندما جاء بوش إلى السلطة جلب معه تحولات جذرية في السياسة الدفاعية الأميركية تمثلت في جعلها أكثر قوة وصرامة، وكانت هجمات سبتمبر/ أيلول 2001 الحدث الذي أكد ضرورة تنفيذ هذه التحولات حتى يتسنى لواشنطن مواجهة الأخطار الجديدة على الأمن القومي الأميركي والتي كشفتها تلك الهجمات.

ويعكس الرأيان السابقان –رغم اختلافهما- مسألة الثوابت والمتغيرات في الإستراتيجية الأميركية في العراق والمنطقة. ويمكن استخلاص هذه الثوابت في:

  1. عدم انفصال العراق عن وسطه الإقليمي، فالعراق يقع دائما في دائرة الاهتمام الأميركي بالمنطقة والشرق الأوسط، لذا فكثير من المحللين يؤكدون أن الحرب الأميركية على العراق هي نقطة البداية لإجراء تغييرات جذرية تستهدفها واشنطن في الشرق الأوسط.
  2. تلازم المسارين العراقي والإيراني في الإستراتيجية الأميركية، فكثير من المحللين يؤكدون أن جذور سياسة الاحتواء المزدوج تعود للحرب العراقية الإيرانية، عندما هدفت واشنطن إلى احتواء الدولتين فيما سمي باحتواء الأقوياء عن طريق التدخل لمساعدة الطرف الذي كان ميزان القوى في غير صالحه، بهدف الحفاظ على موازين القوى في الخليج. وبعد الحرب وخصوصا بعد أزمة الخليج الثانية، اتبعت واشنطن نفس السياسة مع اختلاف في التكتيك فيما سمي باحتواء الضعفاء عن طريق إضعاف الدولتين، لأنها تأكدت أن تقوية أي منهما فيه خطر على مصالحها. وفي الوقت الراهن هناك آراء تؤكد أن النهج الأميركي في التعامل مع بغداد يهدف -ضمن ما يهدف- إلى استغلال الوضع في العراق بعد الحرب كورقة ضغط لاحتواء إيران ومنعها من تطوير أسلحة دمار شامل.
  3. مازال العراق مختبرا لواشنطن لتثبيت دعائم أركان النظام العالمي كما ترتئيه، مثلما حدث بعد حرب الخليج الثانية من ترويج لنظام عالمي أحادي القطبية، وبعد أحداث سبتمبر/ أيلول من عدم الاكتفاء بالانفراد والأحادية وإنما بإكمال وفرض الهيمنة والسيطرة على مصادر النفوذ في العالم، وضرب من يهدد هذه الهيمنة، وحسم التنافس على منطقة آسيا الوسطى مع الصين وروسيا.
  4. ازدياد الطموحات الإقليمية للعراق أدى إلى ازدياد رغبة الولايات المتحدة في التحكم بأمن الخليج ومنطقة الشرق الأوسط.


المسألة العراقية تمثل منعطفا هاما في النظام الدولي بأسره لأنها فرضت معضلات إستراتيجية هددت بإعادة هيكلة هذا النظام، وطرحت تحديات أمام مستقبل الولايات المتحدة كقوة عظمى تسعى لفرض سيطرتها وهيمنتها على العالم

أما المتغيرات في الإستراتيجية الأميركية تجاه العراق فتتمحور حول:

  1. تغير الدوافع والظروف التي أحيطت بتطور النظرة الأميركية للعراق والمنطقة، مما أدى إلى تحولات في سياسة الاحتواء المزدوج.
  2. تغير التكتيكات التي تتبعها واشنطن إزاء العراق بتغير الظروف والدوافع المشار إليها سابقا، فقد كانت الإدارة الأميركية قبل أحداث 11 سبتمبر/ أيلول تركز على العقوبات الدولية والحظر الجوي، وبعد الأحداث بدأت تهتم بإسقاط النظام صراحة، وهذا يتناسب مع ما أعلنته واشنطن من أنها تريد تغيير العراق من دولة مارقة إلى دولة غير مارقة تحقق لها التوازنات المرجوة في المنطقة.

خلاصة القول أن المسألة العراقية تمثل منعطفا هاما في النظام الدولي بأسره لأنها فرضت معضلات إستراتيجية هددت بإعادة هيكلة هذا النظام، وطرحت تحديات أمام مستقبل الولايات المتحدة كقوة عظمى تسعى لفرض سيطرتها وهيمنتها على العالم، بحيث لم تعد سياستها الخارجية بدون قيود أو معارضة. كما أكدت أن الإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط ثابتة ولم تتغير، ويدور جوهرها حول السيطرة والهيمنة في منطقة تعد من أهم مناطق العالم، وتعتمد في ذلك على تأمين منابع النفط وتدفقه، واحتواء الاتجاهات القومية في المنطقة العربية ومقاومة أي طموحات إقليمية لأي دولة من دول المنطقة، والمحافظة على أمن إسرائيل وضمان استمرارها كقوة إقليمية.

غير أن وسائل تحقيق هذه الإستراتيجية تتغير طبقا للظروف والتحديات السياسية، ولإدراك الساسة الأميركيين لمدى خطورة تلك الظروف والتحديات طبقا لتوجهاتهم السياسية، وهذا ما يمكن ملاحظته في سياسة الاحتواء المزدوج والتطورات التي مرت بها في عهدي كلينتون وبوش.
_______________
* الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة