تجاذبات القضاء بمصر وشبهات التسييس   
الثلاثاء 1434/1/20 هـ - الموافق 4/12/2012 م (آخر تحديث) الساعة 7:25 (مكة المكرمة)، 4:25 (غرينتش)
مواطنون جلسوا أمام مقر المحكمة بانتظار عودة القضاة إلى العمل (الجزيرة)

منير الجالودي-القاهرة

تتفاعل الأزمة السياسية في مصر وتكاد تستقطب كل المكونات الفاعلة في البلاد، حتى تلك التي ينبغي أن تنأى بنفسها عن التجاذبات السياسية وإبداء مواقف إزاءها.

ولم يعد هذا الأمر غريبا في مصر ما بعد الثورة، فمؤسسات القضاء هنا ما فتئت تتخذ مواقف سياسية وتسند طرفا سياسيا على حساب طرف، رغم تحذيرها جميعا من تسييس القضاء وخطورة اشتغال القاضي بالسياسة.

ويأتي إعلان نادي القضاة الأحد موقفه الرافض للمشاركة في الإشراف على الاستفتاء المتعلق بمسودة الدستور الجديد، وقبله موقفه بتعليق عمل القضاة احتجاجا على الإعلان الدستوري للرئيس محمد مرسي، ليفتح المجال واسعا أمام الجدل القديم الجديد إزاء حياد القضاء وتسييسه واستنكاف القاضي عن أداء وظيفته انطلاقا من موقف سياسي.

ولعل هذا الموقف استفز قضاة آخرين في السلك فخرجوا ليعيدوا الأمر إلى نصابه والقطار إلى سكته، حسبما يشير المتحدث باسم حركة قضاة من أجل مصر المستشار وليد شرابي، فجاءت حركته التي تضم نحو خمسمائة قاض لتعلن أنها ستشارك في الإشراف على الاستفتاء، وتنعى على نادي القضاة موقفه المتخاذل.

تتهم حركة قضاة من أجل مصر النادي ورئيسه على وجه الخصوص المستشار أحمد الزند بأنهما "وجه حربة أمام الثورة"، ويسعيان ما أمكن لإعادة إنتاج النظام السابق كما يقول المنسق العام للحركة المستشار محمد عوض للجزيرة
تصحيح المسار
يقول شرابي للجزيرة نت إنهم عندما رأوا مواقف مشينة من قبل بعض قضاة النادي خذلت الشعب المصري، ومساعي لوأد الثورة الوليدة والعودة إلى النظام المخلوع، وانفراد هؤلاء بالحديث باسم مجموع القضاة، كان لزاما قيام قضاة بتصحيح المسار والتعبير عن عدد كبير ممن لا يروقهم ما يفعله النادي، فكانت حركة قضاة من أجل مصر.

تتهم الحركة النادي ورئيسها على وجه الخصوص المستشار أحمد الزند بأنهما "وجه حربة أمام الثورة"، ويسعيان ما أمكن لإعادة إنتاج النظام السابق كما يقول المنسق العام للحركة المستشار محمد عوض للجزيرة.

لكن النادي ينفي ويرى أنه لا يجوز إطلاق الاتهامات وتخوين القضاة لمجرد أنهم يتبنون موقفا معارضا لقرار اتخذه الرئيس مرسي، كما يوضح رئيس محكمة الجنح المستأنفة بالقاهرة المستشار هشام الرفاعي.

وبينما تنص لوائح النادي على أن مهمته خدمية تتعلق بتقديم خدمات للقضاة من قبيل توفير سلع بعينها وتسهيل إجراءات الحج والعمرة، يؤكد الرفاعي أن نادي القضاة لا يعمل بالسياسة وإنما يدافع بمواقفه الأخيرة عن استقلال القضاء، وأن الإعلان الدستوري الأخير الذي حصن قرارات الرئيس استدعى موقفا من قبل النادي.

وظيفة القاضي
من جانبها تؤكد حركة قضاة من أجل مصر أنها عندما تشارك في الإشراف على الاستفتاء فإنها تقوم بوظيفتها، كما فعل مجلس القضاء الأعلى وهيئة قضاة مجلس الدولة وغيرهما من المؤسسات -كما يقول شرابي- ولا تمارس السياسة. بل إن السياسة في الاستنكاف عن أداء القاضي لوظيفته، وهذا الاستنكاف يعد في كل الدساتير جريمة وتستدعي العقوبة.

الدكتور ثروت بدوي استاذ القانون الدستوري (الجزيرة)

ويرى الفقيه القانوني ثروت بدوي في حديث مع الجزيرة أن الموظف العام بالدولة مثل القاضي ملزم بأداء وظيفته وليس له أن يمتنع وإلا تعرض لقانون العقوبات، إذ إن تمنع القاضي جريمة لا يمكن التسامح فيها، إما أن ممارسة السياسة تسقط الحصانة عن القاضي.

ويشير كثير من القانونيين والمعترضين على ممارسة القاضي للسياسة إلى عضوة المحكمة الدستورية المستشارة تهاني الجبالي على وجه الخصوص، إذ إنها -وهي القادمة من صفوف الحزب الاشتراكي العربي الناصري- خرجت عشرات المرات على الفضائيات، وصرحت بمواقف سياسية تناوئ الرئيس مرسي، وهو ما علق عليه بدوي بأنه لا يجوز بأي حال من الأحوال.

ورغم كل التجاذبات الحاصلة في مواقع متعددة، يرى مراقبون أن ما يحدث إنما هو نتاج طبيعي لسقوط نظام متجذر في كل مرافق الدولة، وقدوم نظام جديد يواجه تبعات تراكمت على مر السنين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة