فيلم "العالم" والهوية الملتبسة   
الأحد 21/4/1434 هـ - الموافق 3/3/2013 م (آخر تحديث) الساعة 11:17 (مكة المكرمة)، 8:17 (غرينتش)
ملصق فيلم "العالم" للمخرج التونسي الهولندي ألكس بيتسترا (الجزيرة)
نصر الدين دجبي-أمستردام
 
من قصة ضياع طويلة وهوية مرتبكة، يصوغ المخرج التونسي الهولندي ألكس أو كريم بيتسترا قصة فيلمه "العالم"، حين شده الحنين إلى بلده الأم تونس باحثا عن والده، ليصطدم بواقع مختلف حثه على صياغة عمل درامي عن حلم الشمال الذي يسكن وجدان الكثير من شباب تونس.

حلم بيسترا الشخصي كان أن يتعمق في معرفة أصوله على الضفة الجنوبية للمتوسط، وهو الذي تركه والده في الرابعة من عمره ليقفل عائدا إلى تونس، فجاء حلم بطل فيلمه "عبد الله" معاكسا، إذ يعيش على أمل الوصول إلى شمال المتوسط (أوروبا) لتحقيق طموحات شتى، في مقاربة عن شباب يعاني حيرة وهوية مأزومة على الضفتين.

بعد عشرين عاما (2005) وجد بيسترا والده، وتلك كانت سنوات طويلة من الغياب أوغلت في عمق هويته طفلا وشابا، لتمتد من الاسم إلى أسلوب الحياة والتفكير، لكن زيارات المخرج المتكررة لتونس بحثا عن ترميم هويته الشخصية جعلته يكتشف أن معضلات الهوية والانتماء لا تخصه وحده، بل جيلا كاملا من الشباب التونسي جسدها في "العالم".

يعمل بطل الفيلم الشاب "عبد الله" في محل لبيع الأفلام بتونس، ويحلم بتغير ظروفه الاجتماعية ومساعدة والده وأخته على التزامات الحياة. ويتعرف الشاب المسكون بحلم الشمال على الفتاة الهولندية "آنا"، ليتوهم أن هذا اللقاء سيكون منعرجا جديدا في حياته وطريقا إلى "الجنة الموعودة".

لكن الواقع الاجتماعي والسياسي للبلاد -الذي تزامن مع انطلاق الثورة التونسية- عمّق أزمة "عبد الله" الاجتماعية، ومع تفاقم معضلة البطالة يعاني عبد الله المرهق من حلمه وواقعه، ليختم الفيلم بفشل البطل في "الحرقة" أو الهجرة غير الشرعية.

حكاية لا تغادر واقع آلاف الشباب التونسي والمغاربي بشكل عام، حين يصبح على الهامش الاجتماعي والسياسي في بلدانه الأصلية ويعاني من الإحباط وقلة الحيلة، فيجد ملاذا واهما في "قوارب الموت" طمعا في فرصة للوصول إلى أوروبا، وفي الضفة الأخرى أقران لهم من شباب الجيل الثاني والثالث، فلا الشمال استوعبهم، ولا أوطانهم قادرة على تحقيق أحلامهم.

تسجيل الواقع
وكان المخرج -المولود من أم هولندية وأب تونسي- قد أنتج فيلمه الروائي "العالم" أو "دي ويلت" في 2012، وعرض الفيلم لأول مرة في مهرجان الدوحة ترايبكا السينمائي 2012، كما شارك في الدورة الأولى لأفلام حقوق الإنسان بتونس، وفي الدورة الأخيرة من مهرجان روتردام السينمائي الدولي بهولندا.

لقطة من الفيلم تظهر البطل الرئيسي "عبد الله" الحالم بالهجرة إلى أوروبا (الجزيرة)

وفي حديث للجزيرة نت، يؤكد مخرج الفيلم أن قضية الهوية قد شغلته منذ تعرف على والده قائلا "كنت دائما أسأل نفسي كيف ستكون حياتي لو عشت مع والدي في تونس..، فقد انتابني فضول لمعرفة من هو أبي الذي كنت أتجاهله وأجد صعوبة في الحديث عنه".

ويروي بيتسترا أنه بعد عدة زيارات لتونس التقطت الفكرة و"انطلقت في تحويل قصتي -من خلال عائلتي في تونس وهولندا- إلى فيلم، ربطت ذلك بالهجرة غير الشرعية والثورة التونسية لتكتمل الحكاية".

وحول ردود الأفعال أوضح بيتسترا أن المشاهدين "أعجبوا بجرأة الفيلم في طرح موضوع بسيط خال من أي انطباع مسبق، وقد وجد النقاد أن الفيلم يعتبر رحلة حلم رائعة تجمع بين الخيال والتوثيق".

ويقول الناقد السينمائي والصحفي سفان خيراتز -في حديث للجزيرة نت- إن قصة الفيلم مؤثرة، وتدور حول أزمة الهوية والرغبة في التعرف على الأصول، وهو ينقل صورة صادقة للصراعات الداخلية لدى كثير من الناس الذين تتجاذبهم ثقافات مختلفة، وقد قدم فكرة معمقة دون أن يثقل على المشاهد، وبلغ رسالته دون تكلّف.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة