كان تعرض فيلما عربيا يصور عنف السلطة بعالم بدائي   
الثلاثاء 1423/3/9 هـ - الموافق 21/5/2002 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

عرض اليوم فيلم المخرج السوري أسامة محمد "صندوق الدنيا" الذي حمل بالفرنسية عنوان "تضحيات" (Sacrifices) ضمن فعاليات "نظرة ما" الرسمية التي تقام على هامش مهرجان كان السينمائي الدولي الـ 55. وبهذا يكون الفيلم العربي الثالث الذي يعرض ضمن هذه المسابقة بعد فيلمين من لبنان وموريتانيا حظي كلاهما بالترحيب والإعجاب.

ويعد فيلم أسامة محمد هو الثاني له بعد "نجوم النهار" الذي أنجز قبل 14 عاما من دون أن يعرض أبدا في سوريا بسبب منع السلطات لعرضه. وحاول أسامة محمد طيلة هذه الفترة الوصول إلى إنجاز فيلم ثان, كما أنه ساعد في عدد من الأفلام السورية لمخرجين آخرين واجهوا الصعوبات نفسها التي واجهها هو عند إنجاز أعمالهم.

وتدور أحداث صندوق الدنيا في عالم بدائي مغلق بعيد ومنعزل في منزل يقع على تلة
وتجاوره شجرة كبيرة معمرة. ويحفل الفيلم بشخصيات نساء ورجال مسكونين بالمجهول ويعيشون وسط أجواء عنيفة يفرضها الوالد الجد الذي يظهر وهو ينازع في بداية الفيلم, لكنه يطلب من الله أن يمد في عمره ليرى أحفاده.

ويكشف المخرج موقفه من السلطة التي هي "أقصى تجليات العنف" -حسب تعبيره- حين يصورها على مستوى العائلة.

ويفتح الفيلم المجال للعديد من القراءات وبينها القراءة السياسية التي يمكن أن تتبادر إلى ذهن المشاهد وهو يرى انفجار العنف المستمر الذي يكاد يخلع زوايا المنزل المنعزل, فكأن المنزل بلد وكأن ناسه السكان.

وينصرف أسامة محمد في صندوق الدنيا كلية "إلى تشكيل صور سينمائية مشغولة بدقة وبخيال ملون في عالم غير واقعي يوقعه اضطرام الأنفاس المستمر لجميع أشخاص المنزل الذي يصبح بمثابة اللازمة التي تتكرر في الفيلم من البداية إلى النهاية".

وتأتي الواقعية الى الفيلم الذي يحتوي على قدر كبير من الإبداع السينمائي والصورة الفذة المتخيلة والمبنية عبر سيناريو صوري متميز وعن طريق شخصية "تخترق وحدها عزلة المكان البعيد وتذهب لتشارك في شيء ما", في الحرب على الإسرائيليين أيام الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

فالرجل المحارب الذي يريد للأمور أن تتغير يفرض على عائلته بعد عودته من الحرب الخاسرة نوعا من النظام العسكري, ويلقي خطابا أيدولوجيا في الوطنية وفي ضرورة العمل للخروج من الجمود, فيكشف استغلال السلطة المركزية للثورة لعفوية الشعب عندما تطلب من الجميع أن يعمل على التغيير وخاصة المرأة.

ويقول نقاد إن أسامة محمد يصور صندوق الدنيا عبر لغة سينمائية متمردة جامحة تقلب قواعد المونتاج والتصوير وتبني عوالم نفسية داخلية صاخبة تعتمل في داخلها ثورات لا تفور بل تواصل خوض سعار الحياة والألم في عالم مغلق حافل مع ذلك بالشاعرية. وفي الديكور المنعزل تتحرك الشخصيات وتتفاعل فيما يشبه الطقوس فالنساء يغسلن الصوف ويطيبن المنزل ويمددن الفرش وينظفن, وفي النهاية ينفتح ثقب في الوحول تظهر وراءه عين تنظر إلى العالم, إنها عين أسامة محمد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة