البحث عن لغة.. محاكمة جيل أدبي بالأردن   
الأربعاء 22/7/1435 هـ - الموافق 21/5/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:27 (مكة المكرمة)، 11:27 (غرينتش)

توفيق عابد-عمّان

تتبع الناقد والروائي والتشكيلي حسين نشوان في مؤلفه "البحث عن لغة.. دراسات في الشعر والسرد" الذي تم إشهاره في منتدى الرواد الكبار بالعاصمة الأردنية عمان مساء أمس تجارب جيل أدبي كامل بـ الأردن من خلال اختيار مقاطع من إصدارات 15 شاعرا وقاصا وروائيا، والخوض في أعماقها باحثا عن لغة خاصة.

ومن خلال 15 دراسة، جهُد المؤلف في البحث عن لغة التعبير عبر تحليل أعمال إبداعية وخلص -وفق القاص محمود الريماوي- إلى رفعها لمصاف النموذج والمثال للأجناس الأدبية.

والكتاب يبلغ 215 صفحة من القطع الصغير الصادر عن دار "الآن ناشرون وموزعون" قبل عدة أيام بدعم من وزارة الثقافة الأردنية، استغرق إعداده ست سنوات وفق نشوان الذي اكتشف أن كل مبدع يحاول يبحث عن وسيلته للتعبير، وكيف يمكن له أن يحقق التميز، ووجد تنوعا بين الأجيال المتباعدة والحقول الإبداعية وسنوات الكتابة.

أسطورة عشق
وفي دراسته لديوان "العالي يصلب دائما" للزميل حسين جلعاد الصادر عن دار "أزمنة" بعمّان، يرى نشوان أن الوطن عند المبدع ليس مجرد جغرافيا وتضاريس وحدود بل أسطورة عشق وفضاء للحرية وخزانة الذكريات والأحلام ومستودع الجراح والخسارات وحالة وجودية إنسانية إيجابية تجعل الإبداع متوهّجا، وتعمّق الوعي بكيفية العلاقة التي يرى فيها المبدع وجوده وكيفية تعبيره عن هذا الوجود.

نشوان يوقع "البحث عن لغة.. دراسات في الشعر والسرد" (الجزيرة)

ووفق "البحث عن لغة" فإن تجربة جلعاد أنموذج مهم لقراءة محنة أزمة الشاعر الذي يعاني من غربة الذات والوجود في تصادماتها مع وهم الحقائق والانكسارات التي تعكسها ذات الشاعر من الإحساس بالغموض والشك والفقد إزاء قدرية الحياة ومآسيها وتراجيديتها، لتنصهر التجربة في خصوصيتها وذاتيتها مع الواقع عبر "وسطنة" اللغة/الحلم لإعادة تعريف المكان والكشف عن حضوره وغيابه وسطوته والمساحات التي تتوافر فيها الحرية.

استحضار الغياب
وجاء في "البحث عن لغة.." أن مجموعة الشاعرة زليخة أبو ريشة "كلام منحّى" محاولة للبحث عن مرجعيات الأنثى بمعادل الأسطورة والطبيعة واللغة، بينما تتستر لغة القاصة جميلة عمايرة بمجموعتها "الدرجات" بانزياحات الحلم للاحتيال على الواقع.

وكما يتمثل حكمت النوايسة في "الصعود إلى مؤتة" المشهد الدرامي لاجتماع التاريخ، فإن الشاعر غازي الذيبة في "خفقة الذرى" يستحضر الغياب لإنكار الحاضر، ويبرز سؤال "متخيل المنفى" مع قصيدة الراحل محمود درويش في حواره مع المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد.

وهذا ما يتضح في رواية هزاع البراري "تراب الغريب" التي تستند إلى ميثولوجيا خلود الكلمة "مقاومة الموت بالكتابة "وبطّن حواشيها بتحولات المكان الأسطورية لفهم مغزى الموت ومعنى الحياة.

جانب من حضور حفل التوقيع (الجزيرة)

أما "مقام المليحة" للشاعر عبد الله رضوان فهو صورة مضارعة لمثلث "المرأة.. القصيدة.. الشاعر" وأشبه بالأقنعة التي يرتديها الممثلون وفق أدوارهم، فالقصيدة بالنسبة لرضوان لم تعد مجرد تعبير عن انفعال جوانّي فحسب وإنما لحظة رحيل من الراهن للبحث عن مناطق أكثر إشراقا وأقل صخبا.

شهادات حارّة
ووفق القاص الريماوي، فقد خلت الدراسات من أية مؤاخذات أو ملاحظات نقدية، ونأى المؤلف بنفسه عن إطلاق تساؤلات حول أي جانب من الأعمال، فهي موضع رضا تام ولا تثير قلق النفس والوجدان، كما تفادت نمط الكتابة الاحتفالية والإشادة المباشرة متوسلة تحليل الأعمال بنظرة كلية والأثر الباقي في الذات القارئة والناقدة.

فالتحليل -وفق الريماوي- يمتزج فيه النظر للمضمون والفحوى مع قدر أقل من المعالجة الفنية خلافا لمقاربات أخرى تلجأ لعرض الكتاب والتعريف به، وتتقصى نمو العمل الفني ومسالكه وتخلقه بين يدي صاحبه، وتبحث في تقنيات العمل، وبهذا قلما يشرك المؤلف القارئ بإضاءة جوانب النص وإن فعل فإنه يفعله على عجل ولغاية المصادقة والبرهنة على استنتاجاته من أحكام إجمالية.

ويرى الريماوي أنه لمس أحكاما تنم عن قراءة مدققة تقود لانحياز المؤلف للعمل وحماسته، وهو ما تمت تسميته بمحبة الإبداع. وقال: لعل الروح الإبداعية التي يتوافر عليها المؤلف كشاعر وروائي ورسام قد دفعته لتقصي خط الجمال وتقمص أدوار المبدعين أنفسهم بما يجعل الدراسات بمنزلة شهادات حارّة مع حرصه على كتم صوته الخاص وطرح ضمير المتكلم جانبا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة