الموت الجماعي أثناء مواسم الحج، مسؤولية من؟   
الجمعة 1424/12/23 هـ - الموافق 13/2/2004 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

مريم بنت زيدون

" رب اجعل هذا البلد آمنا وارزق أهله من الثمرات "  دعوة  دعا بها أبو الحج إبراهيم عليه السلام  وكأنه يري اليوم الملايين المتدفقة علي البيت الذي رفع قواعده لأول مرة مستجيبة لآذانه في الناس بالحج  ويتلمس حاجتها للأمن والرزق لتتمكن من تأدية مناسكها علي أكمل وجه،
وبينما يتعلق رجاء المسلم بتحقق الشق الأول من الدعاء ويكاد هذا الرجاء يتحول يقينا وهو يري الخيرات تتفجر في تحقق فريد للشق الثاني، فإن خللا حاصلا اليوم يدعو إلي التساؤل والاستنكار، فقد أصبح من المألوف بل من المنتظر كل سنة موت أعداد جماعية من حجاج بيت الله الحرام بشتى الطرق، فمن القضاء دهسا تحت الأقدام أثناء التدافع عند الجمرات، إلي الموت حرقا في مخيمات مني، إلي الاختناق داخل أنفاق المشاة، تتعدد مآسي ضيوف الرحمن التائقين إلي حسن الإياب،
ـ فهل يوفر الحجم الكافي من الاهتمام لأماكن المسلمين المقدسة؟
ـ أم إن الأمر كما قال بعض المسؤولين قضاء وقدر؟

 ●يحمل الكثيرون السلطات السعودية المسؤولية عن أزمة الرمي التي تؤرق كل حاج ويرجعون ذلك  إلى عدة أسباب من بينها:

1ـ عدم تطوير منطقة الجمرات:
إن كل من سبق له الحج يدرك بيقين أن المحظوظ وحده يخرج سالما من تحت الجسر أو ينزل من فوقه، فالعوامل كلها قد تضافرت لتجعل من الرمي أكبر مغامرة، فحوض الجمرات يتسع محيطه لعدد محدود من الأشخاص قد لا يتجاوز المائة ، وعلي كل مائة  شخص علي سبيل المثال أن تزاحم  بحورا من المئات ذاهبة للرمي وتزاحم عشرات من المئات للخروج ، وأثناء المواجهة بين الخارجين والداخلين تقع المشكلة ثم لا تلبث أن تكبر في تدافع رهيب بين مئات من تلك المئات ويزيد الأمر سوءا إصرار الحجاج علي الرمي في مجموعات لا تقبل التفرق ، وما إن يرفع الإنسان بصره يتلمس الطريق حتى يرتطم برشقات النعال والساعات والأحزمة  والطوب الكبير فالجهل بين جموع الحجاج مشكلة تتدافع المسؤولية عنها مكاتب المطوفين والدول التي قدم منها هؤلاء الذين يقتصر ما علموه عن الجمرات علي كونها رجم للشيطان وهم لن يبخلوا علي هذا الملعون بالضربات المميتة بكلما تطاله أيديهم بدل حصية صغيرة لا يتجاوز حجمها حجم حبة الفول ، ومع خفض الخارجين وجوههم تلافيا لتلك الأشياء يغيب البصر و يدوس الأقوياء الضعاف وما إن تقع أول فريسة لهذه الفوضى العارمة حتى تتدخل العوامل النفسية لتحويل الحجاج إلي مجموعات لا متناهية من الغرقى الذين يحاولون النجاة بأعمارهم معتمدين فقط علي حاسة البقاء لدي الإنسان وأثناء ذلك يسيطر علي من تحت الجسر الخوف من الاختناق وعلي من فوقه الخوف من السقوط ، .
 ويكثر الحديث عن منطقة الجمرات، وذلك بسبب وضعها الحالي الذي يصعب معه أن يتم الرمي بسلاسة ، ويتسلل الشك إلي نفوس البعض في شأن هذه الشعيرة ، فيكثر القول أن رمي مليوني إنسان لثلاث جمرات كل جمرة بسبع حصوات في مكان ضيق ، في عدة ساعات أمر لا يمكن معه تجنب الكوارث ، والحقيقة أن الأمر ليس بهذا القدر من التعقيد، فمع التنظيم وإدخال الوسائل الحديثة تتلاشى معوقات الزمان والمكان ولعل في المطارات ومحطات المترو هات عبر العالم أكبر دليل علي ذلك وهي التي يمر من كل واحد منها عشرات الملايين من الأشخاص كل يوم بسلاسة ودون وقوع أية أحداث ،
وقد كثر الحديث مؤخرا عن اقتراحات لتطوير منطقة الجمرات، وقد أعلنت صحيفة عكاظ السعودية أمس أن العمل في تطوير جسر الجمرات سيبدأ خلال الشهرين القادمين، وتدعو هذه السرعة في الاستجابة للإجماع الحاصل علي حاجة منطقة الجمرات للتطوير إلي الارتياح ، لكنه ارتياح يحمل تخوفا من أن يكون عامل البحث عن وسيلة لإسكات المنتقدين قد رجح علي عامل النظر بحكمة في الجوانب المختلفة للمشكلة والاستنارة في ذلك بالخبرات العالمية، وإيجاد حل علي المدى البعيد يستوعب الأعداد القادمة من الحجاج والمرشحة  لأن تتضاعف عدة مرات،

2 ) ـ ضعف التنظيم وغياب التفويج أثناء الرمي:
يتكلم البعض عن غياب دور مؤسسات الطوافة وحملات الحج ، ويعيدون الأمر أيضا إلي إهمال السلطات السعودية لدورها في هذا الشأن بعدم إلزام كل طرف بالقيام بواجباته ، ويقول هؤلاء إن المطوف كما يسمى هو عبارة عن صورة شكلية وليس له أي دور سوى قبض الأتعاب،  ويؤكد دعاة التنظيم أنه لو أدخلت تحسينات بسيطة علي تفويج الحجاج فإن النتائج ستكون كبيرة ،

● وتسوق السلطات السعودية هي الأخرى أسبابا تبدو من المعقولية بمكان تحمِل معه الحجاج جزءا من المسؤولية عما حصل ومن هذه الأسباب:

1ـ جهل أغلب الحجاج للطريقة الصحيحة للحج وتأتي هذه الشعوب من بلادها بعواطف مؤججة يزيدها جو التظاهرة الفريد من نوعه، فالبعض ينظر إلي الجمرات علي أنها مصارعة رياضية يفوز الأقوى فيها بقبول الحج فتراهم يلاكمون ويدفعون الآخرين بعنف والبعض يري الأمر عملا انتحاريا  من مات فيه فهو شهيد لذلك يتهاونون بأرواحهم ويستسلمون للأرجل بسهولة والبعض يعتقد أن الأمر شطارة دينية يفوز فيها الذكي السباق بالأجر والثواب فتراهم يقفون في الطريق للدعاء دون النظر فيما في ذلك من إعاقة لحركة الجموع ، ويبقي الإسلام الذي يقرن الإضرار بالناس بالشرك بالله،  ويقدم حفظ النفس علي كل شئ،  ويؤكد علي الأخذ بما تيسر وترك ما تعسر، بريئا من كل تلك التصرفات، وتؤكد السلطات السعودية علي أن الدول الإسلامية مسؤولة عن جهل حجاجها، وأنه لابد أن تسن قوانين تفرض توعية هؤلاء وتفقيههم في أحكام الحج والمفاهيم الحقيقية له ،

2 ـ تخلف الكثير من المعتمرين والالتحاق بأفواج الحجيج في الموسم الموالي، وتشكو السلطات السعودية من هذه الظاهرة ويقولون أنه بينما تسعي الجهات المسؤولة عن تنظيم الحج إلي منح التأشيرات للعدد الذي تستوعبه الأماكن المقدسة فقط فإنه عليها في كل سنة أن تعاني من زيادات كبيرة لم تكن تحسب لها حسابا، ولعل هذه المشكلة من أقدم المشاكل المطروحة للمكيين حيث كان  عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد نهاية موسم الحج يتجول بين الحجاج حاملا درته قائلا " يا أهل الشام شامكم ويا أهل مصر مصركم ويا أهل العراق عراقكم" 

● لكن المؤسف في كلما أثير حول الظروف التي تكتنف مواسم الحج والعمرة والذي أعادته بإلحاح حادثة التدافع الأخيرة هو أن الطريقة التي تم بها النقاش جعجعة لا يرجى من ورائها طحين ذلك أن الجزء الأكبر منه قد خصص للخلاف حول من يتحمل المسؤولية عما جري وقد أنفقت لحظات الحماس المتولدة عن الفاجعة التي مست كل المسلمين علي التنابز بالتهم بين مؤيدي الرأي القائل بمسؤولية الدولة السعودية عما جري والمدافعين الذين يحملون الحجاج كل المسؤولية، وبين هذا وذاك خفتت الآراء المعتدلة والباحثة عن مكامن النقص والفجوات و الساعية وراء  الحلول والتحسينات.
والحقيقة أن الخطأ لا يكمن في البحث عن المسؤول عن هذا النقص الحاد في الترتيبات والذي تتكرر بسببه الكوارث أثناء موسم الحج فتحديد المسؤولية بداية لكل أمر يراد له النجاح ، لكن كلما قيل قد أقتصر علي هذا البحث الذي أفرغت فيه الأطراف كلما في جعبها حتى أصيبت بالإرهاق فبدأت الأصوات تخفت قبل أن يعمق الموضوع ويطال الحديث جوانب أخري من النقص الواضح في أماكن الحج والعمرة،
 فبينما لا ينتبه إلا عند حصول الموت فإن مواقع أخري يمر بها الحجيج كل سنة ليست أفضل حالا من وادي الجمرات ومن ذلك علي سبيل المثال :

1ـ المسجد الحرام:
الذي تشكل المنطقة المحيطة به محورا لحركة مكثفة طوال العام ، ورغم ما تمثله من أهمية وحساسية اقتصادية ودينية وأمنية إلا أنها وخلال العقود الأخيرة لم تلمسها يد التطوير والتحسين   فالشوارع ما تزال على ما كانت عليه منذ أكثر من عشرين عاما، أما السماح بالحصول أصلا علي تصاريح لبناء الأبراج السكنية والفنادق التي يلتصق بعضها بالحرم مباشرة فأمر في غاية الغرابة، حيث إنها المسؤول الأول عن مشكلة الاختناقات المرورية ولعل الروائح الكريهة المنبعثة من فتحات المجاري خير دليل علي أن الريع الكبير لهذه المباني يعمي ويصم عن تطهير أكرم بقعة، ويزيد الأمر سوءا تكدس المتاجر التي تخنق الحرم وتكاد تندلق فيه، وليس الخطأ في الفنادق أو المتاجر فالحجاج يحتاجون لهذه الخدمات التي يطالها النقص هي الأخرى ، لكن الأولي أن تحرر مساحات واسعة تحيط بالمسجد الحرام وتترك المجال لوسائل النقل،
 ولا تعني المطالبة بهذا  النوع من المشاريع جهل تكلفته العالية فمما يبدو من البداهة بمكان أن مكة المكرمة تختص بتضاريس غاية في الصعوبة و أنها هي التي ضاقت بقريش رغم قلتهم حتى أعجزوا بها  نبيهم صلي الله عليه وسلم فقالوا " لو دعيت ربك فأزاح عنا هذه الجبال التي تكاد تطبق علينا لصدقناك وآمنا بك " لكن الأمر لم يعد اليوم يحتاج لمعجزة مع توفر المال وتقدم التكنولوجيا ويمكن قياس ذلك علي مدن عالمية لديها تضاريس مشابهة مثل مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية والتي رغم تضاريسها الجبلية الصعبة ومنحدراتها الشديدة إلا أنها تتميز بطرق وشوارع وأحياء منظمة وجميلة لا يشعر فيها المرء بأي ضيق فلم لا تكون أم القرى بجبالها وشعابها أجمل المدن وأكثرها تنظيما؟

 2ـ النقل بين مكة والمدينة المنورة :
تؤجر المملكة العربية السعودية في كل موسم آلافا من الباصات من الدول المجاورة وتعطل المدارس وأكثر الهيئات الحكومية للاستفادة من وسائل النقل الخاصة بها ويشجع المواطنون للمشاركة في حل هذه الأزمة بتأجير سياراتهم وحافلاتهم ومع كل تلك الحشود لا تطالعنا وسائل الإعلام بصور الحجيج إلا وهم يتعلقون فوق الباصات فلماذا كل هذا التبديد للجهود ولماذا لايتم حل المشكلة علي المدى البعيد ؟ لماذا يشتهر رجال أعمال سعوديون بالشجاعة إلي حد المغامرة في مجال الاستثمار في كل بقاع الدنيا دون أن يكلفوا أنفسهم عناء إنشاء قطارات سريعة تصل بين مكة والمدينة ألا يعتبر الأمر مغامرة وطنية رابحة في كل الأحوال؟
 
 وأخيرا فقد يضيق البعض بكون الحديث عن  تطوير الأماكن المقدسة يجلجل برنين الدراهم والدنانير لكن للتذكير  فإن أكثر ما استخدم حتى الآن في هذا التطوير تم بتمويلات خاصة تحسب لأصحابها في الدنيا والآخرة ويبقي الكثير مما سيكون علي الدولة السعودية القيام به من خزانتها للأماكن التي كرمها الله بها، ذلك أن الأشخاص راحلون لا محالة ـ ولا أعني هنا التنحي عن الحكم ، بل الرحيل المكتوب علي البشر شاءوا ذلك أم أبوا ـ وستبقي الدولة، وعندما ينظر للأمر من هذه الزاوية فإن الحلول تكون شاملة ومنصفة وطويلة الأمد


 

 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة