زحمة المهرجانات السينمائية العربية   
الأربعاء 1433/12/2 هـ - الموافق 17/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 19:17 (مكة المكرمة)، 16:17 (غرينتش)

طارق الشناوي*

هل هناك رغبة حقيقية لمواجهة تلك الفوضى التي تسيطر على المهرجانات العربية، حيث تتضارب المواعيد، وتشعر وكأن النجوم والأفلام العربية تنتقل من مهرجان  إلى آخر. يحدث هذا ويتكرر في السنوات الأخيرة بسبب حالة الزحام التي تدفع بكل المهرجانات العربية في موعد محدد، وكأنها ساعة ذروة من مثل تلك التي تشهدها الشوارع في وقت خروج الموظفين، حتى تكاد تنطبق عليها أغنية المطرب الشعبي أحمد عدوية "زحمة يا دنيا زحمة، ولا عدش رحمة، مولد وصاحبه غايب".

هل من الممكن أن نجد حلاً لتلك الفوضى وحالة التضارب في المواعيد، التي تعاني منها كل المهرجانات العربية؟! يبدأ التزاحم العربي من منتصف أكتوبر/تشرين الأول مع مهرجان أبوظبي، ويزداد اشتعالاً كلما أوغلنا أكثر واقتربنا من نهاية الشهر نفسه، ويواصل السخونة في نوفمبر/تشرين الثاني، ثم يصل إلى الذروة في ديسمبر/كانون الأول حيث نصل  إلى نصفه الأخير مع مهرجان "وهران"، لأن الكل يسعى لإنهاء نشاطه السينمائي قبل احتفالات الكريسماس، حيث إن أغلب النجوم العالميين يحرصون على قضاء العيد في بلادهم.

شهران فقط تتجمع فيهما أغلب المهرجانات العربية ويشهدان ذروة الصراع السينمائي، مما يجبر المهرجانات على عرض نفس الأفلام الهامة تقريبا، سواء العالمية أو العربية.

فهم مضطرون لعرض عدد محدود من الأفلام التي حققت رواجاً ونجاحاً في الأشهر السابقة مباشرة لإقامة المهرجان.

شهران فقط تتجمع فيهما أغلب المهرجانات العربية ويشهدان ذروة الصراع السينمائي، مما يجبر المهرجانات على عرض نفس الأفلام الهامة تقريبا، سواء العالمية أو العربية

مثلاً فيلم "مثل من يحب" للمخرج الإيراني عباس كيروستامي، شاهدتُه معروضاً في مهرجان أبوظبي، وبعد ذلك سأجده في كل المهرجانات العربية الأخرى وكأنه "كعب داير" يتنقل بين كل المهرجانات، فلا يمكن تجاهل هذا الفيلم الذي جاء عرضه الأول داخل مسابقة مهرجان كان في مايو/أيار الماضي.

ومثلاً النجم جمال سليمان كان أحد نجوم افتتاح مهرجان أبوظبي، وستجده من المؤكد في مهرجان الدوحة ترابيكا، وبعدها في مهرجان القاهرة، ثم يذهب في نهاية المطاف إلى وهران، وبالطبع أغلب النجوم العرب تعثر عليهم في كل المهرجانات العربية وفي مدة زمنية وجيزة مثل جمال.

تكتشف مثلا في فوضي المواعيد أن مهرجاني قرطاج والدوحة ترايبكا يعقدان في نفس التوقيت. بالطبع مهرجان قرطاج أسبق تاريخيا إذ بدأ عام 1966، بينما بدأ الثاني عام 2009. كان المهرجانان قد توافقا زمنيا عام 2010 حيث عقدا في نهاية أكتوبر/تشرين الأول، والغريب أنهما غيّرا الموعد هذا العام، وتكتشف لغياب التنسيق بينهما أنهما يعقدان أيضا في نفس اليوم 17 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

الأمر لا أراه مقصودا، فلا يوجد صراع بين المهرجانين، بل إنه حتى سياسيا فإن دولة قطر تدعم الثورة التونسية، ولكنها العشوائية في اختيار المواعيد.

هذا العام أيضا يتوافق مهرجانا القاهرة ومراكش بفارق زمني لا يتجاوز ثلاثة أيام، ولا تدري السبب.. والغريب أنه حتى العام الماضي كنا نعاني من التطابق الزمني بين مهرجاني دبي ومراكش، وكانت القاهرة خارج حلبة هذا الصراع.

الأمر ينعكس أيضا على الأفلام العربية، فمثلا فيلم المخرج التونسي الكبير نوري بوزيد "مانموتش" سيعرضه مهرجان القاهرة في المسابقة العربية، بعدما عرضه مهرجان أبوظبي في المسابقة الدولية، ويشارك قبل ذلك في مهرجان قرطاج السينمائي، وتنتهي رحلته إلى وهران.

مهرجان القاهرة معاناته في هذا المجال أكبر، ولديه مأزق يتكرر سنوياً في الحصول على أفلام داخل مسابقته الرسمية، حيث إن لائحة المهرجان -باعتباره تابعاً لاتحاد المنتجين الدوليين- تشترط ألا يسمح بعرض فيلم رسمياً في المسابقة إذا سبق له الاشتراك في مسابقة أخرى.

مهرجان القاهرة لديه مأزق يتكرر سنوياً في الحصول على أفلام داخل مسابقته الرسمية، حيث إن لائحة المهرجان تشترط ألا يسمح بعرض فيلم رسمياً في المسابقة إذا سبق له الاشتراك في مسابقة أخرى

ولهذا أنشأ مهرجان القاهرة قبل نحو 14 عاما مسابقة على هامش فعالياته تمنح جائزة أفضل فيلم عربي، حيث لا تخضع هذه المسابقة لشروط الاتحاد الدولي. ومع ذلك ظل لدى المهرجان مأزق في العثور على فيلم مصري، وليس فقط على فيلم عربي داخل المسابقة الدولية!!

لماذا يرفض صناع الأفلام المصرية المشاركة في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي وتمثيل بلدهم؟ الحقيقة أن إدارة المهرجان ليست جهة منتجة للأفلام، وبالتالي غير مسؤولة عن عدم مشاركة الأفلام المصرية.

وتقلصت الجاذبية، وتضاءل الحرص من منتجي الأفلام على التواجد في المهرجان، خاصة بعد انطلاق مهرجانات خليجية، وهي على الترتيب طبقاً للأقدم زمنياً: دبي (2004) وأبوظبي (2007) والدوحة (2009).. ثلاثة مهرجانات تمنح السينما العربية مساحات من الاهتمام، وأيضاً ترصد جوائز تبلغ قرابة مليون دولار.

ولهذا فإن المنتجين والمخرجين والنجوم صاروا يذهبون إلى هذه المهرجانات التي تدفع مقابلاً مادياً ضخماً لمن يحصل على الجائزة. الغريب في الأمر مثلا أن فيلم "المسافر" الذي أنتجته وزارة الثقافة المصرية قبل نحو ثلاث سنوات، لم يشارك في مهرجان القاهرة في تلك الدورة، بينما شارك في "فينيسيا" ثم "أبوظبي" ثم "دمشق"؟!

تاريخياً مهرجان القاهرة أول مهرجان عربي يرصد ميزانية للفيلم العربي الفائز مقدارها 100 ألف جنيه، وذلك قبل نحو 15 عاماً. وكانت تساوي وقتها نحو 30 ألف دولار، وصارت الآن لا تتجاوز 16 ألف دولار، وهو مبلغ هزيل بالطبع، خاصة لو قارنته بالمهرجانات الخليجية الثلاثة.

وقد أضاف المهرجان مؤخراً جائزة للسيناريو تصل إلى 16 ألف دولار، ولكن في كل الأحوال لم يعد الإغراء المادي يشكّل أي عامل جذب للفيلم المصري ولا الفيلم العربي، لأن المهرجان يعاني أيضاً من تضاؤل إقبال الأفلام التي تمثل السينما العربية.

لو عقدت إدارة المهرجانات تنسيقا فيما بينها، فبالتأكيد ستعثر على أفلام ولن تكرر نفس العروض، وبالطبع يبدو أن الحل نظرياً سهل، إلا أن صناع المهرجانات لو سألتهم ستكتشف أنهم ليسوا أحراراً في تحديد الموعد. إنهم مرتبطون بالرعاة، فمثلا شركات الطيران التي تمنح تخفيضات لإدارة المهرجان لديها مواعيد محددة تستطيع خلالها فقط أن توافق على هذا التخفيض.

وما ينطبق على شركة الطيران يتكرر أيضاً في الفنادق التي تمنح تخفيضات هائلة لإدارة المهرجانات، ولكنها تشترط اختيار التوقيت المناسب بالنسبة لها، وليس بالضرورة أن يصبح مناسباً للجمهور. ولو لم تتوافق المواعيد التي تحددها شركات الطيران والفنادق فلن يقام المهرجان. ومن هنا تبدو لي الأزمة على الأقل في المستقبل القريب غير قابلة ـمع الأسف الشديد- للحل، فلا يجدي معها بالتالي سوى أن يرددوا مع عدوية "زحمة يا مهرجانات زحمة"!!
ـــــــــــــــ
* كاتب وناقد فني مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة