العربي: لا خوف على الفن من الإسلاميين   
الجمعة 1432/11/4 هـ - الموافق 30/9/2011 م (آخر تحديث) الساعة 13:52 (مكة المكرمة)، 10:52 (غرينتش)

 وجدي العربي: التجارب الهادفة أثبتت أن الفن الحقيقي له جمهور (الجزيرة نت)

حاوره بدر محمد بدر-القاهرة

بدأ الفنان وجدي العربي التمثيل منذ بواكير طفولته، حيث كان والده يعمل بالمجال نفسه. قدم خلال مسيرته مسرحيات وأفلاما جادة نحت منحى سياسيا منها مسرحية "الشفرة"، التي قدمت رؤية استشرافية لمستقبل مصر في السنوات الخمسين المقبلة، تصور فيها انتخابات رئاسية حرة، وحلم بمقاضاة من سرق ونهب وخان الوطن.

كما يشارك الممثل المعروف بالتزامه الديني في مشروع فيلم ومسلسل عن الإمام حسن البنا، ويؤدي أيضا شخصية المطران "كابوتشي" في مسرحية "مرمرة" عن العدوان الإسرائيلي على أسطول الحرية، التي من المنتظر أن تقدمها فرقة "مسرح الجزيرة" على مسرح قطر الوطني عقب عيد الأضحى.

الجزيرة نت التقت العربي وأجرت معه هذا الحوارعن تجربته في "مرمرة" ومسيرته الفنية، ورؤيته لواقع الفن في مصر ومستقبله. 


بداية  كيف ولدت فكرة مسرحية "مرمرة"؟

الفن في جوهره من واجبه أن يراعي ضوابط وقيما وأسسا لا غنى عنها ولن ينصلح دونها

هي فكرة شبكة الجزيرة في قطر، حيث أرادت أن تحتفل بمرور 15 عاما على إنشائها، وأنشأت فرقة مسرحية تحمل اسمها، وهي فرقة "مسرح الجزيرة"، وسبق أن قدمت عملين هما "الحلاج" ومسرحية أخرى عن الثورات العربية بمصر وتونس، و"مرمرة" هي العمل المسرحي الثالث لهذه الفرقة.


وما طبيعة أحداث المسرحية؟

المسرحية تجمع بين إدماج الأحداث الواقعية والتمثيلية عبر الفيديو التوثيقي مع التمثيل المسرحي الواقعي، ومؤلف النص هو الكاتب المصري الشاب محمود عبد المعطي الذي درس كل تفاصيل أحداث رحلة أسطول الحرية، واجتهد في جمعها ومتابعتها، خاصة من المراسلين على متنها وشهود عيان من الركاب، فخرج النص جيدا، وأخرجها المخرج اليمني المقيم بقطر سالم الجحوشي، والجيد في العمل أن كل المشاركين فيه يعملون بقناة الجزيرة.

ولا تعتمد المسرحية على بطل واحد، بل على الشخوص الحقيقيين الواقعيين في سفينة مرمرة، وسوف يجسد العمل الشهداء الأتراك التسعة، وسوف يتابع الجمهور لحظة استشهادهم عقب العدوان الصهيوني الغاشم فعليا على المسرح، ولذلك تعد مسرحية "مرمرة" باقة ورد لشهدائنا، ولكل من غامر بحياته وبذل جهده لفك الحصار الظالم عن قطاع غزة.


وماذا عن دورك في "مرمرة"؟ وماذا يمثل بالنسبة لك؟

أنا ضد مقولة "الجمهور هو من يريد هذا الفن الهابط"، لأن هذا فكر خاطئ، ولو وجد الجمهور مساحة راقية فسوف يتفاعل معها

شخصية المطران "كابوتشي" التي أمثلها على المسرح فريدة للغاية، هو إنسان طرد من فلسطين بسبب نشاطه ضد الاحتلال، ثم ذهب إلى الفاتيكان، وظل هناك حتى صار الرجل الثالث هناك، ثم عاد إلى أرض فلسطين فوق سفينة الحرية "مرمرة"، وعندما كان الشيخ رائد صلاح يدعو في صلاته فجرا، كان المطران "كابوتشي" يصلي حسب تعاليم دينه، ويؤمن على دعائه، ولم يبحث عن الراحة رغم تقدم سنه.

وتمثيل شخصية "المطران" تؤكد أننا كمسلمين ليس لدينا أي إشكالية مع الديانات الأخرى، فنحن نتعامل مع الناس من خلال سلوكاتهم وأساليبهم، وما يقدمونه للسلام وليس للإسلام، والمطران "كابوتشي" خاطر بحياته كي يناصر إخوة له ولنا في فلسطين، في مواجهة عدوان صهيوني غاشم، في محاولة لفك الحصار عن غزة.


كيف ترى هذه التجربة كنموذج لفن يوثق قضايا الأمة ويعبر عن همومها؟

هذا السؤال يطرح موضوعا غاية في الأهمية من وجهة نظري، وهو أن على الفنانين والمسرحيين أن يقدموا للعالم بأسره فنا راقيا يحمل فكرا وإبداعا حقيقيا، يبرز الصورة الصحيحة للعرب والمسلمين وقيمهم وقضاياهم، دون تهافت أو ابتذال أو خجل، وهذا النمط يجب أن يكون محور التركيز من قبل المؤلف والفنان، فكثير منهم انفصلوا عن الواقع، وابتعدوا كثيرا عن مهمة ودور الفن الحقيقي.


ما مفهومك للفن الملتزم أو الالتزام الفني؟

كثير من المسيطرين على صناعة السينما يبحثون عن الضحك والعري والإسفاف والابتذال، لحصد الإيرادات وجني المال دونما اعتبار للقيم والأخلاق

المفروض في رأيي ألا يكون هناك فن ملتزم وآخر غير ملتزم، فالفن في جوهره من واجبه أن يراعي ضوابط وقيما وأسسا لا غنى عنها ولن ينصلح دونها.

فالفن بذاته قيمة كبيرة ومحورية، يمكن أن ننحدر بها إلى الحضيض أو نسمو بها للأعلى، ومسمى "الفن الملتزم" يوحي بأننا نوافق على وجود الفن الهابط، ولكن الأصل -في تقديري- أن الفن له معنى واحد، هو السمو والرقي في مضمونه وشكله، وآن الأوان أن نبني قاعدة جيدة، لا تفرز إلا الفن الجيد الهادف الإيجابي النافع للأسرة والمجتمع وفق ضوابط وروابط وأصول.

وأنا لا أوافق على مسميات: "المسرح الديني" و"المسرح الإسلامي" و"المسرح الملتزم"، فلنقل: فن ذو قيمة.


ولكن ماذا نحتاج من مقومات لكي يتحقق هذا الفن المرجو؟

أعتقد أن الإصلاح يبدأ بالنص والكلمة في المقام الأول، ثم يلي ذلك دور الفنان والمخرج، والنص هو المحرك والموجه للعمل الفني، وعلى الممثل أن يتحرى الصدق ويفكر بتمهل ومن واقع المسؤولية، قبل موافقته على النص والعمل، وعليه أن يتسلح برؤية وفكر ومعرفة ومرجعية واعية، تمكنه من الانتقاء والتجويد بشكل متبصر.

أثيرت مخاوف من الصعود السياسي للتيارات الإسلامية بعد الثورة، بدعوى أنها سوف تحجر على الفنون، فهل ترى ذلك؟

على الفنانين والمسرحيين أن يقدموا للعالم بأسره، فنا راقيا يحمل فكرا وإبداعا حقيقيا، يبرز الصورة الصحيحة للعرب والمسلمين وقيمهم وقضاياهم

أنا أستبعد هذه المخاوف، وأعتقد أنها مجرد فزاعة مختلقة للتخويف من صعود وبروز الإسلاميين، خاصة على المستوى السياسي والمجتمعي.

والمطلوب هو أن نجد فنا راقيا يقوي وينهض بالأسرة والبيت الشرقي، كفن لا نخجل منه ولا نخشاه على الزوجة والأبناء.

فن يزدهر بالكلمة الطيبة والصورة الجميلة والحركة الراقية بما يحترم الجمهور وثقافته، خاصة وأن الابتذال في الفن يخالف الفطرة السوية النقية.


وهل ترى أن عقلية المنتج والراعي والممول تغيرت بعد الثورة؟

نعم، سوف يدرك كل منهم أن الفن الحقيقي سوف ينجح وله جمهوره الكبير، والتجارب الهادفة من أعمالي المسرحية أثبتت ذلك، وقدمها نفر من الناس مستعدون لذلك، وكنا نقاوم بين الجهات الأمنية والرقابية حول ما أقدمه أنا بالذات بمسرحياتي، وكنا ننتصر ونواجه ونمتلك إرادة التغيير للأفضل.

فقد اجتهدنا في أسوأ الظروف، والآن حين نجد بيئة ومناخا وأرضية طيبة وصحية، وبها حرية أكبر للرأي والفكر والقلم، فسوف تسعد عيون وآذان المشاهد بمرور الوقت.

وأنا ضد مقولة "الجمهور هو من يريد هذا الفن الهابط"، لأن هذا فكر خاطئ، ولو وجد الجمهور مساحة راقية فسوف يتفاعل معها، وكنت أقدم أعمالا مسرحية تحمل الفكر الراقي والتمثيل الجيد والتقنية العالي، وفي الوقت ذاته تنطوي على كوميديا راقية، فتفاعل معها الجمهور.

إذن نحن بحاجة إلى تثقيف رواد المسرح وتقديم صورة مغايرة عما كان في السابق، وهذه مسؤولية الفنان.


وماذا عن الأعمال الدينية والتاريخية وما تواجهه من معوقات؟

أنا لا أوافق على مسميات: "المسرح الديني" و"المسرح الإسلامي" و"المسرح الملتزم"، فلنقل: فن ذو قيمة

المشكلة أن منتج هذه النوعية يخاف من إنتاجها، وحتى التلفزيون الحكومي المصري هو أيضا توقف منذ ثلاث سنوات تقريبا عن بثها، ولم يعد يقدم أي عمل ديني أو تاريخي في رمضان، ولا نعلم لماذا، إنها بالأساس أزمة إنتاج، ولا بد من إنتاج مثل هذه الأعمال بميزانية دولة، والدولة لن تخسر.

وسوف تنجح الأعمال الجادة مثلما نجح "عمر بن عبد العزيز"، و"هارون الرشيد"، و"محمد رسول الإنسانية"، وكذلك "الإسلام والحضارة"، و"نور الإسلام يشرق على العالم" وغيرها، حيث كان لدينا كتّاب يشار إليهم بالبنان منهم "عبد السلام أمين" و"طه شلبي" و"محمود شعبان" نفتقر إليهم اليوم.


كيف ترى مستقبل السينما المصرية في المرحلة المقبلة؟

حال السينما للأسف هو حال الأعمال الدرامية التلفزيونية، فالسينما مع احترامي لكل النجوم، أرى أن كثيرين من المسيطرين على صناعتها يبحثون عن الضحك والعري والإسفاف والابتذال، لحصد الإيرادات وجني المال دونما اعتبار للقيم والأخلاق.

وللنهوض بالسينما والفن عموما نحن بحاجة إلى قواعد وأصول وتدريب وممارسة حرة، في ظلها لن يطرح على الساحة إلا العمل الجيد والكوميديا الراقية، بلا تدن في التعامل مع الكلمة والملبس والحركات المثيرة.


وهل ترى قضايا بعينها يجب أن يتبناها الكتاب والفنانون؟

بالأساس مشكلات الشباب من الجنسين، والأسرة المصرية بكل تشابكاتها وهمومها، هذه قضية لها أولوية ولم تنته بعد حتى يتجه المؤلف إلى القضايا والمشكلات الموجودة في الغرب، فنحن بنا ما بنا فلماذا نتغرب؟! وأعتقد أن هذا النهج الإصلاحي للفنون يحتاج وقتا وجهدا، حتى يبرز المتنفس الذي نبحث عنه.


وما أحدث الأعمال التي سوف تقدمها قريبا للجمهور؟

خلال أيام سوف أقدم مسرحية "قصاقيص"، إما بمسرح الأطفال "متروبول"، أو بمسرح الحديقة الدولية بالقاهرة، وهو عمل خاص بأطفال المدارس، يعلمهم بعض القيم الدينية والأخلاقية، فنحن في حاجة إلى عودة المسرح المدرسي، ومزيد من الاهتمام بمسرح الطفل وتوسيع رقعته، لأنه اللبنة الأهم في بناء الطفل والأسرة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة