المشهد السياسي العراقي بعد تقرير أنان   
الخميس 1425/1/6 هـ - الموافق 26/2/2004 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

العراقيون يرون في الانتخابات مخرجا لإنهاء الاحتلال لكنهم اختلفوا في توقيتها (الفرنسية)

محمد عبد العاطي - بغداد

كانت القوى والتيارات السياسية العراقية في حاجة إلى وقت ولو قصيرا لكي تبلور موقفها وتحدد خياراتها بعد إعلان الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان تقريره مؤخرا بشأن إمكانية إجراء انتخابات لحكومة انتقالية تتولى الإشراف على ملفات نقل السلطة للعراقيين.

وقد اختلفت المواقف وتنوعت الآراء في الساحة العراقية بشأن هذه القضية التي يراها الكثيرون هي وقانون إدارة الدولة (الدستور المؤقت) المتوقع صدوره السبت القادم من أبرز العلامات التي ستحدد شكل الحياة السياسية العراقية خلال الأشهر القادمة.

ورغم أن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لم يكن مفاجئا لمعظمهم إن لم يكن لكل ألوان الطيف السياسي العراقي فإن اللافت هو هذا التباين الشديد في وجهات النظر بشأن كيفية الخروج من المأزق الراهن والذي لم يظهر بهذه الدرجة من الحدة إلا عقب إعلان الأمين العام تقريره.

ولتسهيل قراءة المشهد السياسي العراقي في المرحلة التي تعيشها البلاد حاليا الذي ازداد تعقيدا بعد القطع باستحالة إجراء الانتخابات في موعدها المقرر في 30 يونيو/ حزيران القادم فإنه يمكن تقسيم نتائج استطلاع الرأي الذي أجرته الجزيرة نت لبعض التيارات السياسية العراقية المختلفة بشأن تصوراتهم لما بعد التقرير الأممي إلى اتجاهات رئيسية ثلاثة.


المسلمون الشيعة مازالوا مصرين على أن آلية الانتخابات المباشرة هي وحدها الكفيلة بمعرفة رأي الأغلبية في شكل وطبيعة ومدى شرعية الحكومة الانتقالية التي ستتولى الإشراف على مسائل نقل السلطة

الاتجاه الأول: ويمثله إلى حد كبير المسلمون الشيعة وتيار عريض من المسلمين السنة الذين يعبر عنهم إلى حد كبير هيئة علماء المسلمين والحزب الإسلامي فهم يرون أن الانتخابات ضرورة "كالماء والطعام" على حد وصف إمام وخطيب مسجد أبي حنيفة الشيخ أحمد حسن الطه، لكن الاختلاف بينهما يتركز في التوقيت.

فالمسلمون السنة يرون كما جاء في تقرير أنان أن الظروف التي يمر بها العراق الآن لا يمكن أن تفرز انتخابات حرة ونزيهة خاصة –والكلام للشيخ أحمد- مع عدم وجود قانون ولا حكومة شرعية منتخبة ولا أمن للمرشح ولا للناخب ومع إمكانية تدفق الملايين من حدود العراق المجاورة بوثائق سفر وهويات وجنسية مزورة تدعي أنهم عراقيون.

وبسؤاله عن رأيهم في التوقيت الذي يرونه مناسبا وهل يوافقون على تقدير كوفي أنان بإمكانية إجرائها بعد سنة تقريبا قال "إذا استقرت الأوضاع وتحسن الأمن يمكن ذلك لكن قد تزداد الأمور سوءا خلال هذا العام فعندئذ يظل أمر عقد الانتخابات متعذرا".

أما المسلمون الشيعة فإنهم لا يزالون يصرون على أن آلية الانتخابات المباشرة هي وحدها الكفيلة بمعرفة رأي الأغلبية في شكل وطبيعة ومدى شرعية الحكومة الانتقالية التي ستتولى الإشراف على مسائل نقل السلطة كما صرح بذلك الدكتور حامد البياتي الناطق باسم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية.

وعلى هذا فإن الشيعة لا يزالون يأملون في مجيء الوقت الذي ستجرى فيه الانتخابات وقد ألمحوا إلى أنهم لن يقبلوا بعد ذلك أي مبرر للتأجيل، وتسربت هنا في بغداد أنباء مفادها إلى أن الشيعة يعتزمون تصعيد مواقفهم وضغوطهم بمعيار يتناسب مع مدى الاستجابة لمطلب الانتخابات التي يصرون عليها، وبأن هذا التصعيد قد يصل في درجة من درجاته المدروسة إلى مرحلة الامتناع عن العمل ليوم واحد أو أكثر بحسب ما تمليه الظروف.

الاتجاه الثاني: يتركز في المحافظة على مجلس الحكم المؤقت الحالي والوزارات القائمة التي تسير دولاب العمل اليومي مع توسيعه ليشمل 150 عضوا (25 عضوا في الوقت الحالي و125 عضوا جديدا) مع تشكيل حكومة من التكنوقراط البعيدين عن التأطير الحزبي أو المذهبي أو العرقي كما يدعو إلى ذلك بعض أتباع التيار الليبرالي.

ويقف هذا الخيار في وجه أطروحة أخرى ظهرت في الساحة العراقية خلال اليومين الماضيين في دوامة الجدل الذي تعيشه حاليا ولا يعرف على وجه الدقة مصدرها تدعو إلى حل مجلس الحكم المؤقت واختيار هيئة سيادية تتكون من ثلاثة من الشيعة واثنين من السنة أحدهما عربي وثانيهما كردي، وقد وصفها عضو مجلس الحكم سمير الصميدعي بأنها فكرة "تفرق ولا توحد" وأكد على ضرورة اختيار الأفراد بناء على معيار "الكفاءة وليس أي معيار طائفي أو عرقي آخر".

حزب الدعوة الإسلامي يرى توسيع المجلس بإشراك تيارات غير ممثلة حاليا مثل تيار الصدر (الفرنسية)
وقد لاقت فكرة توسيع مجلس الحكم المؤقت الحالي هوى لدى حزب الدعوة الإسلامي الذي رأى أنه طالما ستتأجل الانتخابات إلى نهاية العام 2004 أو ربيع العام 2005 فإنه لا يمانع في توسيع مجلس الحكم المؤقت الحالي ليضم القوى والتيارات الأخرى غير الممثلة فيه، مثل تيار الصدر الثاني والتيار القومي العربي وتيار المرجعية الدينية المتمثلة في السيد علي السيستاني والإسلاميين التركمان الشيعة والأكراد الفيلية.

أما الاتجاه الثالث والأخير والذي يمثله إلى حد كبير بعض المثقفين غير المنتمين إلى تشكيلات سياسية بعينها الذين عبروا عن رأيهم هذا في منتديات ولقاءات سياسية متعددة فإنهم يرون خروجا من كل هذه الدوامات السياسية في الدعوة إلى عقد جمعية وطنية موسعة تضم كل ألوان الطيف السياسي من مختلف القوى السياسية والأحزاب والطوائف والأعراق والوجهاء وشيوخ العشائر ورجال الدستور والقانون وكبار المفكرين وغيرهم لتختار هذه الجمعية بعد التئامها حكومة تحظى بالشرعية الشعبية تتولى مهام نقل السلطة في المرحلة الانتقالية.

ولا يمكن الجزم بصورة دقيقة لأي من هذه الاتجاهات والخيارات سترجح الكفة الأمر الذي سيجعل باب الحياة السياسية العراقية مفتوحا كما هو عليه الآن على مصرعيه.
_______________
موفد الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة