الغيطاني يؤرخ جزءا من حياته في "نثار المحو"   
الجمعة 1426/3/27 هـ - الموافق 6/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 16:27 (مكة المكرمة)، 13:27 (غرينتش)

جمال الغيطاني

لم يشأ الروائي المصري جمال الغيطاني أن يطلق على عمله الجديد "نثار المحو" رواية أو مجموعة قصصية وهو أمر درج عليه منذ سنوات تاركا لقارئه حرية تصنيف الكتاب وفقا لطريقته في استقباله وحقه في تأويله.

لكن القارئ لهذا العمل لن يجد الكثير من المشقة ليتلمس الشخصي والخاص تحت غلالة شفافة من السرد المشحون ببعض الشجن.

وفي نهاية "نثار المحو" التي صدرت عن دار الشروق بالقاهرة في 397 صفحة إشارة إلى أنها كتبت بين عامي 2003 و2004 حيث يدنو المؤلف من سن الستين وكأنه بوغت بالأمر فيجدها فرصة لإنعاش ذاكرته باستعادة ذكريات روائية عن أماكن أحبها وبشر قابلهم وزمن لا يعرف فلسفته.

وعلى غلاف الكتاب وفوق عنوانه سجل المؤلف أن عمله هو الدفتر الخامس مما أطلق عليه دفاتر التدوين التي صدر منها أربعة في السنوات الماضية.

ويبدو البطل مشغولا بفكرة الزمن وفي الصفحات الأولى زخم من الإشارات والتساؤلات عن فلسفة الزمن بتكرار كل ما يدل عليه من ألفاظ منها "الوقت. الزمن. الأيام. الشهور. السنوات. الثواني. الدقائق. اللحيظات، الفاصلة. مرور الأوقات. الشذيرات" إضافة إلى أسئلة يرددها الغيطاني منذ أكثر من ربع قرن في أحاديثه ومقالاته تتلخص في سؤال يبدو بسيطا هو "أين ذهب أمس".

ويسجل الراوي بضمير المتكلم أنه مارس عددا من الأعمال بدءا من تصميم السجاد إلى الصحافة، "لم يكن العمل بالنسبة لي إلا وسيلة لتوفير أسباب الحياة"، ومارس المؤلف هذه الأعمال حيث يتماهى في كثير من الأحيان مع البطل الذي يفاجأ بأنه على مشارف الستين.

ويجدها بطل الرواية فرصة لمراجعة سنوات عمره والتصالح مع فكرة تسرب الزمن إذ "يبلغني التمام فجأة".

وإذا كان التمام في كثير من الأمور يعني الاكتمال واقتراب الغايات فإنه مع بطل "نثار المحو" يفيد التحرر والانجاز وإتمام الرسالة وبعض الطمأنينة المستمدة من التراث الفرعوني الذي لا يرى في الموت مجرد عدم، بل طورا إلى الحياة الأبدية. ومن هنا تأتي عمق دلالة العنوان الحقيقي لكتاب الموتى الفرعوني وهو "الخروج إلى النهار".

ويقول الراوي انه "مع دنو التمام يختزل كل شيء. تتكثف الأزمنة في نثيرات تشهب بي تفوتني ولا تمكث، ذلك نثاري، ما تبقى عندي لا يعني إلا نثاري أصداء رغبة. خوف. توق. حزن. اشتياق. ظلال غير مدركة لندى تكون على خبايا الروح أفقي العميق مزدحم بأنات لم تسمع".

وبإمكان القارئ أن يعيد ترتيب "نثار المحو" أو يقرأها من أي موضع حيث يتخذ السرد شكلا دائريا غير متصاعد باعتبار الدائرة أكثر الأشكال الهندسية اكتمالا، وهنا سيصل إلى ما يشبه اليقين بأن هذا العنوان مراوغ ومقصود بدقة ليفيد شيئا آخر، هو نثار ما احتفظت به الذاكرة لتقاوم به رعب فكرة العدم والفناء والرحيل.

وللغيطاني عشرات الأعمال التي جرب فيها كثيرا من فنون الكتابة وأشهرها روايته الأولى "الزيني بركات" التي كتبها وهو دون


الخامسة والعشرين وترجمت إلى أكثر من لغة وصدرت ترجمتها الإنجليزية في الولايات المتحدة بمقدمة للمفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة