سامر معضاد يوثّق بيروت بعدسة العاشق   
الاثنين 1435/1/15 هـ - الموافق 18/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 12:49 (مكة المكرمة)، 9:49 (غرينتش)
غلاف كتاب المصور اللبناني سامر معضاد "تحولات بيروت" (الجزيرة)
صحبي العلّاني

ليست بيروت نقطة على خرائط الجغرافيا، ولا حكاية في سجلات التاريخ، إنها هذا وذاك وأكثر. هي كينونة حية متأصلة، وصيرورة متقلبة متحولة لا تنفك عن الانبعاث والتجدد. من طينة أخرى مختلفة جبلت بيروت منذ نشأتها حتى لكأنها خلقت على غير مثال، ولذلك فهي في حالة تشكّل أبديّ، ولا تزال، وتشكلها يبرر حاجتها المستمرة إلى شيئين لا نظن أن بإمكانها يوما أن تستغني عنهما.

هي بحاجة إلى جهاز تصوير فوتوغرافي أو كاميرا، لا يهم إن كانت تقليدية أو رقمية، ولا فرق إن كانت صورها بالأبيض والأسود أو بالألوان. وهي بحاجة أيضا -وهذا هو الأهم- إلى عين لا تكتفي بالنظرة البلهاء والرؤية السياحية الساذجة للأشياء، بل لا بد أن تكون عينا متحفزة متيقظة قادرة على الإبصار وأكثر، أي على السمع واللمس والشم والتذوق حتى تنقضّ على العالم من حولها بما تختزله من قدرات الحواس كلها.

بينما كان الآخرون يقنصون الآخرين، في بيروت كان سامر معضاد يقتنص من العالم بعض الثواني العابرة والمشاهد المنفلتة ويخزّنها في تلك العلبة ذات الغرفة السوداء الصغيرة المملوءة أحلاما وصورا لا حصر لها

عين العاشق
مع المصور الفوتوغرافي سامر معضاد وجدت بيروت بعض ما كانت تبحث عنه وما هي بحاجة إليه. وجدت عينا تعشقها وترصدها وتتربص بتفاصيلها، وإصبع فنان فوتوغرافي ذي حساسية مرهفة مرعبة منفعلة ومتفاعلة.

في عام 1964 فتح سامر معضاد عينيه على الدنيا. وما كاد يتجاوز العاشرة من عمره حتى اشتعل العالم من حوله وانساق لبنان إلى جحيم حرب أهلية كانت كل الأصابع فيها تتحسس الزناد لتضغط عليه في اللحظة المناسبة وتقنص كل ما يتحرّك ضمن مجال إبصارها.

وحده سامر معضاد تعلم أن يتحسس شيئا آخر يشبه الزناد ولكنه مختلف عنه تماما.. شيئا آخر اسمه زر تشغيل الكاميرا. وبينما كان الآخرون يقنصون الآخرين، كان سامر معضاد يقتنص من العالم بعض الثواني العابرة والمشاهد المنفلتة ويخزّنها في تلك العلبة ذات الغرفة السوداء الصغيرة المملوءة أحلاما وصورا لا حصر لها.

مرت الحرب ككابوس يريد الجميع أن ينساه، واسترجعت بيروت روحها وبعضا من جسدها، وعلى امتداد ما يقارب الثلاثين عاما ظل سامر معضاد يخزن صور المدينة المتحولة المتقلبة والمنقلبة حتى على ذاتها.

وكانت نتيجة ذلك كله كتابا فنيا صدر مؤخرا عن منشورات آكت سيد (Actes Sud) الفرنسية تحت عنوان "تحولات بيروت"، وهو كتاب لم يُرِد صاحبه أن يجعل منه مجرد يوميات للحرب ورسائل للسلام، أو صورا للذكريات والأفراح والآلام... لقد أراده أن يكون حكاية مدينة عظيمة، تعلّمنا في كل يوم وفي كل مشهد وفي كل ثانية معنى الحياة والقدرة على الإرادة والتحدي والفعل.

نتصفّح كتاب سامر معضاد فيتأكد لدينا أن فن الصورة –وإن كان في الأصل نتاج كبسة واحدة على زناد الكاميرا- قادر على تخليد اللّحظة واختراق الزمن العادي اليومي المألوف

صور وحكايات
على امتداد أكثر من مائتين وعشرين صفحة يضع سامر معضاد أمام أعيننا حصيلة 27 عاما من الصور التي تم التقاطها ما بين عامي 1985 و2012، يوما بيوم، ساعة بساعة، دقيقة بدقيقة، لحظة بلحظة.

في كتاب "تحولات بيروت" تكتسب الصورة بعدا آخر غير مألوف، وتختزل معاني قليلا ما نجد لها مثيلا عند سائر المصورين الفوتوغرافيين. إنها -في ذات الحين- شهادة وموقف.. شهادة على ما جرى وما يجري، وموقف من الأحداث التي لا يكتفي فيها المصور بالتوثيق والأرشفة، بل يتجاوز ذلك إلى ما هو أعمق ليعبّر عن جوهر الإنسان في علاقته بالمكان وتفاعله مع الزمان.

ومن خلال ما تنقله لنا عدسة سامر معضاد نكاد لا نصدق أعيننا. فنحن نرى بيروت ولا نراها، من الممكن أن نتعرف بسهولة على الشوارع الرئيسية التي طالما تجولنا فيها، ومن المحتمل أن نخمن مواقع بعض الأنهج الفرعية، ولكن من المستحيل أن نعرف الأزقة والزوايا والأركان والمشاهد الخلفية.

ومع ذلك، فإن معضاد يجعل هذه الأماكن على اختلافها قريبة منا كل القرب، مألوفة لنا كل الألفة، لأنه لا يلتقطها بعين السائح بل بعدسة الفنان، وفي كل صورة نعيد اكتشاف الإنسان في جوهره وفي عظمته وتعدد أبعاده، طفلا كان أو شيخا (ص: 82 وص: 161)، عامل بناء أو فنانا يلاحق الأحلام المهدورة (ص: 70 وص: 118).

نتصفح كتاب سامر معضاد فيتأكد لدينا أن فن الصورة -وإن كان في الأصل نتاج كبسة واحدة على زناد الكاميرا- قادر على تخليد اللحظة واختراق الزمن العادي اليومي المألوف وبلوغ الهدف الذي تحلم به سائر الفنون، حلم الخلود والديمومة... وهذا بالذات ما تأخذنا إليه فوتوغرافيا سامر معضاد.

بيروت بتحولاتها تلك والكتاب بصوره ومشاهده ولحظاته الآسرة هو محور معرض فوتوغرافي ترعاه مقاطعة "البوش دي رون" الفرنسية من 12 سبتمبر/أيلول 2013 إلى 18 يناير/كانون الثاني 2014.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة