فن الشوارع يلهم التونسيين   
الخميس 1432/5/26 هـ - الموافق 28/4/2011 م (آخر تحديث) الساعة 12:37 (مكة المكرمة)، 9:37 (غرينتش)

حسن أبو شاريت وصديقه يزوران موقع المشروع الفني "ثوري" بقرطاج (الألمانية)

كانت شفاه البعض منهن تنفرج كما لو كن ينفخن قبلات ويرسلنها إلى بلدهن، بينما تكتفي أخريات بالابتسام. وترتدي بعض النساء الحجاب أو ينظرن بعيون تزينها خطوط الكحل من تحت النقاب وتضع أخريات رموشا اصطناعية.

ويطل من الصور أيضا رجال مسنون يرتدون القلنسوات ونحو ثلاثين يرتدون الملابس الفضفاضة وبنات مراهقات تتدلى من آذانهن أقراط ضخمة مذهبة، كما يوجد أطباء وعاملون بمهنة التنظيف وطلاب ومحامون وراقصون ومدونون ومدرسون وعاطلون.

هؤلاء يمثلون الوجوه المختلفة لتونس ما بعد الثورة، وحلت صورهم الآن محل الصور التي تحمل القسمات الصارمة للرئيس السابق زين العابدين بن علي والتي كانت تعلق على واجهات المباني العامة.

وتعد هذه الصور رمزا للعرض المذهل لقوة الشعب التي شهدتها تونس في يناير/كانون الثاني الماضي حينما تم إجبار بن علي على مغادره البلاد إلى منفاه، وتم تعليق الصور على جدران ومنافذ مراكز الشرطة القديمة والمقار السابقة لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم سابقا الذي تم حله.

الكتابات الثورية أصبحت تحتل الواجهات
في تونس ما بعد الثورة (الأوروبية- أرشيف)
وهذا المشروع الفني الذي يقوم على عرض صور تمثل شرائح المجتمع التونسي يطلق عليه اسم "فن الشوارع: من الداخل إلى الخارج"، وهو من بنات أفكار المصور الفوتوغرافي الفرنسي الذي يعرف فقط بالحرفين الأولين من اسمه "جيه آر". ولهذا المصور تجارب عالمية سابقة في فن الشوارع حيث زينت الصور الضخمة التي التقطها للسكان المحليين المباني العامة من ليبيريا إلى الأراضي الفلسطينية والمناطق العشوائية بمدينة ريودي جانيرو البرازيلية.

التنوع المجتمعي
وفي تونس قام ستة من المصورين المحليين بالتقاط الصور بهدف الاحتفال بالتنوع المجتمعي وتشجيع الحوار.

وتقول السيدة إيزميرالدة حسن، التي تعمل بائعة وهي تنظر لأعلى لتتصفح أربع صور معلقة على جدار الحصن السابق في حي الكرم بتونس العاصمة، إنها تحب ما يحاول المعرض قوله، وتضيف أن الشعب هو الذي يحكم البلاد الآن، ونحن أبناء الشعب الذين نستحق الاهتمام والتشجيع وليس الرئيس.

ويعقب الطالب التونسي من أصل سنغالي أنيس ديوب مؤمنا على كلامها بقوله إن تنمية أي بلد يجب أن تقاس ليس فقط بعامل النمو الاقتصادي ولكن بحرية التعبير، ويعد الفن التعبيري جزءا حيويا من هذه العملية.

غير أن هذا اللون من الفن لا يلقى تشجيعا من جميع شرائح المجتمع. وكانت أول محاولة لفن الشوارع بوضع الصور على جدران لاجوليت، وهي موقع لمرسى العبارات للرحلات البحرية بين صقلية ومرسيليا، قد عرقلتها مجموعة من المحتجين، ووقعت أحداث مماثلة في حي الكرم بتونس حيث احتج البعض بأن "هذه الصور تخالف الشريعة الإسلامية التي يرون أنها تحظر تصوير الأشخاص".

مشروع "ثوري"
ومن ناحية أخرى وعلى بعد عدة كيلومترات من حي الكرم وفي قرطاج -وهي مدينة مشهورة بالآثار الرومانية القديمة- يتطور مشروع فني آخر "ثوري" ليأخذ شكله.

إلى هنا آلت صورة بن علي بعد أن كانت تتصدر الساحات في كل مكان (الفرنسية- أرشيف)
فبعد حدوث ثورة يناير/كانون الثاني الماضي تم نقل السيارات الخاصة وسيارات الأجرة والحافلات الصغيرة المحترقة من جميع أنحاء تونس إلى ساحة من الأرض البور على مشارف قرطاج.

وقام طلاب المدارس وكليات الفنون الجميلة بتحويل هذه السيارات الخردة إلى قطع فنية مستخدمين فرش الألوان وجرادل الطلاء اللامع.

ويقول حسن أبو شاريت وهو من أبناء قرطاج إن زيارة هذا المكان أمر رائع، فهذا العمل الفني يعد دليلا مرئيا وملموسا على الثورة التونسية، وأحيانا يكون من المفيد مشاهدة هذه الأعمال الفنية خاصة عندما نشعر ولو قليلا بأننا فقدنا البوصلة التي ترشدنا للمستقبل.

ولا يزال لدى التونسيين العديد من المشكلات التي ينبغي عليهم مواجهتها، ومن بينها ارتفاع معدل البطالة بين الشباب بنسبة تبلغ 30% إلى جانب ركود حركة السياحة وجهود تونس المضنية لاستعادة الزوار خاصة مع استمرار الصراع في دولة ليبيا المجاورة.

وبعد حصول التونسيين على حق حرية التعبير سواء عن طريق الاحتجاجات في الشوارع أو الشعارات التي كتبت بألوان الزيت على حافلة عامة محترقة أو بالكتابة أو بالأغاني، أصبح ذلك كله جزءا من عملية بناء أول ديمقراطية في شمال أفريقيا.

بعد حصول التونسيين على حق حرية التعبير سواء عن طريق الاحتجاجات في الشوارع أو الشعارات التي كتبت بألوان الزيت على حافلة عامة محترقة أو بالكتابة أو بالأغاني، أصبح ذلك كله جزءا من عملية بناء أول ديمقراطية في شمال أفريقيا
موسيقى الشباب
وتعد المغنية الشابة أمل المثلوثي التي تبلغ من العمر 19 عاما من بين الموسيقيين الشباب الذين اعتلوا صدارة المشهد أثناء الثورة.

وفي إحدى الليالي داخل حانة "البقرة فوق السطح" في حي المرسى بتونس العاصمة يغني حشد الحاضرين أغنيتها الشهيرة "أصبحت أغنياتي حرة".

ويلهو الطلاب ويرقص الأزواج الذين تتراوح أعمارهم بين الستين والسبعين عاما ويتجول في المكان باعة الياسمين، وعندما يتصاعد دخان النرجيلة ويملأ المكان وتتسارع نغمات الموسيقى يشارك الحاضرون في النغمات بدق الشوك على أغطية المصابيح المعدنية القديمة ويرددون كلمات أغنية المثلوثي في انسجام.

وتنطلق من أفواههم كلمات الأغنية التي تقول "أصبحت أغنياتي حرة وأصبحت كلماتي حرة، وصرنا صوتا لكل من يقاوم".

ومن بين الذين يشاركون في الغناء أحد أبناء قرطاج وهو محمد الدالي الذي يقول إن الثورة لم تنته بعد فقد شاهدنا الفصل الأول منها فقط.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة