فؤاد العروي.. قصص عن الكذب والعبث في المغرب   
الأربعاء 22/8/1436 هـ - الموافق 10/6/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:52 (مكة المكرمة)، 13:52 (غرينتش)

أنطوان جوكي-باريس

مرة أخرى، يثبت الكاتب المغربي فؤاد العروي موهبته كقاص من الطراز الأول، في مجموعة جديدة صدرت عن دار "جوليار" الباريسية بعنوان "عرس البولوني الخرافي"، وتقارب قصصها الخمس كالعادة موضوعَي الكذب والعبث، بفطنة وحس دعابي كبيرين.

تجدر الإشارة بداية إلى أن قصص هذه المجموعة مستقاة من الواقع اليومي المغربي، وبالتالي لا طموح فيها إلى سرد ملاحم أو حكايات خارقة، بل إلى نقل تفاصيل لقاء شلة من الأصدقاء في مقهى لمناقشة مسألة عبثية تطرحها شخصية رئيسية تبدو كأنها -على حدة- في عالمٍ موازٍ لعالم معاصريها.

في القصة الأولى التي تمنح الديوان عنوانه ونبرته، نتعرف إلى طبيب أسنان بولوني يدعى "ماتشيك" ويجد نفسه -بفضل اتفاق تبادل بين الدولتين المغربية والبولونية- مسؤولا عن سلامة أسنان موظفي "الشركة الوطنية لمناجم الفوسفات" في مدينة خريبكة المغربية.

عرس مصطنع
وبخلاف الأطباء البولونيين الذين قدموا معه، ستفتنه الثقافة المحلية بسرعة فيسعى جاهدا إلى اكتشاف عادات وتقاليد وطقوس سكان المدينة، وإلى تعلم اللغة العربية المحكية في المغرب. وفي هذا السياق، سيترجى أصدقاءه كي يدعوه إلى حضور عرس تقليدي.

الكاتب المغربي فؤاد العروي
ترشح وفاز بجوائز أدبية مميزة

ومع عدم وجود عرس مبرمج في الأفق بسبب معاشات عمال الشركة المغاربة التي لا تسمح بدفع تكاليفه، يقترح أحدهم على ماتشيك تنظيم حفلة زفاف مزيفة يؤدي فيها دور العريس. ورغم أن الفكرة ستغوي الطبيب فورا، فإن كلفة تطبيقها ستكون عالية وغنية بالمفاجآت.

في القصة الثانية التي تحمل عنوان "الأب والابن والمنتقِم المقنّع"، نتعرف إلى مصارع يحمل لقب طاوي الهندي ويتمتع بشهرة كبيرة في الدار البيضاء بفضل قوته البدنية، لكنه بالكاد يكسب من المباريات التي يخوضها ما يكفيه من المال. ولتحسين وضعه المادي، يبتكر شخصية مصارع مقنع يؤدي بنفسه دورها على الحلبات، لكنها لن تلبث أن تنافسه وتضعه أمام معضلة يتعذر حلها.

قصة تستحضر عالم المصارعة في الدار البيضاء خلال سبعينيات القرن الماضي، وتسعى في مقاربتها موضوع الهوية إلى الإجابة عن السؤال التالي "هل على المصارع أن يقتل والده كي يكون؟".

وتحمل القصة الثالثة عنوان "اللوحة الغامضة"، وتقع أحداثها في أحد الأحياء القديمة بمدينة مراكش، ويؤدي دور البطولة فيها مفوض الشرطة حمدوش الذي سيكشف هوية القاتل في قضية قديمة بتمعنه في لوحة تشكيلية معلقة في مطعم، أمام الطاولة التي يتناول عليها غداءه كل يوم.

بينما تبدو فكاهة العروي رقيقة حين يتعلق الأمر بسرد أكاذيب الناس البسطاء، تصبح في غاية الشراسة حين يتعلق الأمر بفضح أكاذيب المؤسسات الرسمية والحكومة

رياضيات الحب
القصة الرابعة التي تحمل عنوان "هندسة الحب" وتحضر على شكل مسرحية قصيرة، تطرح سؤالا مثيرا على قارئها: هل يمكن قصر الحب على معادلة رياضية؟ وللإجابة عن السؤال، يذهب العروي بنا إلى مدرسة فرنسية في الدار البيضاء حيث نتابع نقاشا حادا حول هذا الموضوع بين أستاذ الرياضيات ألان وأستاذة مادة الفلسفة سيلفي ومعلمة اللغة الإسبانية نعيمة.

وعلى طول القصة، يجعلنا العروي نظن أن الجهد الفكري الكبير الذي يبذله ألان لتفنيد جوابه عن السؤال المذكور نابع من قناعة لديه، قبل أن يتبين لنا في نهاية القصة أن طرحه لهذا السؤال وجوابه ليسا سوى مناورة خبيثة لبلوغ هدف آخر.

وتختم المجموعةَ قصةٌ بعنوان "أكاذيب توريس الثلاث" تحملنا إلى البُعد الخامس وتطرح علينا السؤال التالي: هل الخنازير أقل ميلا إلى تصديق الخرافات من البشر؟ سؤال قد يبدو استفزازيا للوهلة الأولى، قبل أن تتجلى لنا مشروعيته حين نرى الخنازير في القصة أكثر ميلا إلى تناول حبوب الأسبرين عند الحاجة، من سكان منطقة دكالة المغربية الذين يفضلون اللجوء إلى طلاسم شيخهم.

نقد المؤسسات
تشدنا هذه المجموعة القصصية أولا بأسلوبها المشحون بشعرية كبيرة، وبالحس الدعابي لصاحبها ومخيلته الجامحة، كما تشدنا بالاستطرادات الغزيرة واللذيذة التي تثري قصصها.

وبينما تبدو فكاهة العروي رقيقة حين يتعلق الأمر بسرد أكاذيب الناس البسطاء، تصبح في غاية الشراسة حين يتعلق الأمر بفضح أكاذيب المؤسسات الرسمية والحكومة.

وفي كل قصة، نستشف جانبا عبثيا يمنحها نكهتها، ويحضر من خلال تلك المسافة بين بساطتها الظاهرة وحفنة الجنون المضافة عليها بلمسات بارعة.

ولا شك أن لغة الكاتب تلعب في هذا السياق دورا رئيسيا، إذ نجده يتلاعب بالكلمات والتعابير بسهولة مدهشة، ويستقي ويوظف مفردات من لغات مختلفة، وذلك دون أن نشعر إطلاقا بأي ثقل في سردياته التي تُقرأ بمتعة نادرة وتشكّل تحية رقيقة ومؤثرة لأبطال الواقع اليومي في بلده.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة