رحيل "العنقيس" أيقونة الأغنية الشعبية بالجزائر   
الجمعة 1436/11/21 هـ - الموافق 4/9/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:19 (مكة المكرمة)، 13:19 (غرينتش)

ياسين بودهان-الجزائر

فقدت الجزائر ليلة الأربعاء الفنان بوجمعة العنقيس أحد أبرز رواد الأغنية الشعبية بالبلاد، عن عمر ناهز 88 عاما بعد صراع طويل مع المرض، تاركا وراءه سجلا حافلا من الأغاني المعبرة عن تراث المجتمع الجزائري.

وولد العنقيس واسمه الحقيقي بوجمعة محمد أرزقي، يوم 17 يونيو/حزيران 1927 بحي القصبة العتيق وسط العاصمة الجزائر، وتنحدر أصوله من منقطة "أزفون" بمنطقة تيزي وزو بالقبائل الكبرى.

وقد ظهر شغفه بالموسيقى الشعبية باكرا، وصقل موهبته الموسيقية على أيدي عمالقة هذا الفن في سنوات الثلاثينيات، على غرار سعيد المدّاح ومصطفى الناضور وغيرهما.

ثم انتسب للمجموعة الصوتية التي كان يرأسها الفنان محمد قبايلي عام 1941، وفي عام 1945 التحق بفرقة الشيخين مريزق والحاج محمد العنقى الأب الروحي للغناء الشعبي الجزائري، ومنه استلهم اسم "العنقيس".

وعانى الأمرين في حقبة الاستعمار الفرنسي لبلاده، وخلال سجنه مرتين لاقى أنواعا شتى من التعذيب والتنكيل. وخلال فترة الثورة الجزائرية (1954-1962) توقف عن الغناء وانضم لصفوف المقاومة.

أسلوب جديد
والتقى بعد الاستقلال بالملحن الكبير وكاتب الكلمات محبوب باتي، وسجل معه مرحلة جديدة في تاريخ الفن الشعبي من خلال إدخال أسلوب جديد في هذا النوع من الغناء، باعتماد القصيدة القصيرة بدل القصيدة الطويلة، وهو الأسلوب الذي لاقى رواجا وقبولا كبيرا لدى الجزائريين.

ومع محبوب باتي سجّل "العنقيس" أغاني خالدة، حققت له شهرة واسعة، وجعلت منه قطبا من أقطاب الموسيقى الجزائرية مثل "راح الغالي راح" و"تشاورة عليا" و"آه يا نتيا".

ورغم وجود أسماء كبيرة في عالم الموسيقى الشعبية خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات على غرار عمر الزاهي والهاشمي قروابي وعبد القادر شاعو، فإن نجم "العنقيس" لم يخفت، وزاد بروزا وتألقا حينما قدم أعمالا فنية جمعته بالملحن الكبير محمد الباجي، أشهرها رائعته "بحر الطوفان" و"يا المقنين الزين".

بن دعماش: "العنقيس" سجّل اسمه بأحرف من ذهب في سجل الأغنية الشعبية الجزائرية (الجزيرة)

وخلال مسيرته أدى العديد من الأغاني باللغة الأمازيغية من تلحين الموسيقار كمال حمادي.

كما برع "العنقيس" في العزف على عدة آلات موسيقية أهمها الغيثار و"الموندولين"، وفي سجله الحافل أكثر من 300 أغنية.

وقد خلف نبأ وفاته حالة من الحزن بين الجزائريين وبين الأوساط الفنية، وتناقل رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورا تبرز أهم مراحل حياة الفنان، وأبرز أعماله الفنية التي جعلت منه أيقونة الغناء الشعبي الأصيل.

وحسب رئيس المجلس الوطني للفنون والآداب عبد القادر بن دعماش فإن الفنان سجّل اسمه بأحرف من ذهب في سجل الأغنية الشعبية الجزائرية، ووصف في حديثه للجزيرة نت "العنقيس" بـ"صاحب الشخصية القوية" و"صاحب التفكير العبقري فنيا وصوتيا".

وبيّن أن السر في بروز الفنان هو ملازمته وتتلمذه على كبار فناني الفن الشعبي أمثال محمد القبايلي والحاج محمد العنقى، إلى جانب ملازمته اسمين بارزين في عالم الغناء الشعبي، ويتعلق الأمر بالكاتب والملحن محبوب باتي والفنان محمد الباجي.

 مقداد: "العنقيس" قدم الكثير للأغنية الشعبية بالجزائر (الجزيرة)

سجل حافل
فالأول (باتي) يقول إنه كتب "للعنقيس" أشهر الأغاني التي منحت له شهرة واسعة بين الجزائريين، بينما منحه الملحن الباحي شهرة من مستوى ثان من خلال أغان حققت رواجا غير مسبوق في عالم الموسيقى الجزائرية في مقدمتها رائعته "بحر الطوفان" و"يا المقنين الزين"، التي أداها -حسب بن دعماش- بشكل رائع ومبدع.

وبرأي بن دعماش فإن الفنان قدم شكلا جديدا من الغناء الشعبي بأداء أغان قصيرة لها علاقة بالتراث الجزائري.

وكشف بن دعماش أن "العنقيس" أدى مع بداية الثمانينيات المديح الديني، وسجل قصائد طويلة أشهرها قصيدة وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي الأغنية التي أداها قبل ذلك مرة واحدة فقط -حسب حديثه- الحاج محمد العنقى عام 1949، وتمكن الفنان من تقديمها بأسلوب أخّاذ وفي قالب جديد.

من جانبه قال الفنان الشعبي ناصر مقداد إن "العنقيس" قدم الكثير للأغنية الشعبية بالجزائر، وأضاف للجزيرة نت أن المرحوم ترك بصمة واضحة في هذا الفن، وأن مسيرة الرجل امتزجت بالكلمة الراقية واللحن الأصيل.

وبخصوص تجربته الفنية مع "العنقيس" من خلال إخراجه فيديو كليب لأشهر أغانيه "راح الغالي راح"، قال مقداد إن هذه التجربة التي خاضها معه عام 2002 كانت من أبرز محطاته الفنية.

وكشف أنه أحيا العديد من الأعراس معه رفقة الفنان محمد الباجي رغم صغر سنه أنداك، ومن خلال تعامله المباشر معه لاحظ فيه صفة الرجل الطيب والفنان المحب للخير.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة