لماذا لن ينتصر بترايوس بأفغانستان؟   
الخميس 1431/7/19 هـ - الموافق 1/7/2010 م (آخر تحديث) الساعة 20:17 (مكة المكرمة)، 17:17 (غرينتش)

الأشهر القادمة ستكون محكا لقدرة بترايوس على الإبحار في لجج المناورات (الفرنسية)

توقع مؤرخ متخصص في شؤون الأمن القومي الأميركي ألا يتمكن القائد الأميركي ديفد بترايوس من تكرار النجاح الذي حققه من قبل في العراق، لكنه سيعمل على تفادي الانجرار إلى حرب تبدو كأنها حرب فاشلة ضد التمرد.

ففي مقال بمجلة فورين بوليسي كتب المحقق الصحفي والمؤرخ المختص بشؤون الأمن القومي الأميركي غاريث بورتر يقول إن النجاح الواضح والمؤقت الذي تحقق في العراق جاء نتاج ظروف حدثت في ذلك البلد عن طريق الصدفة.

وقد خلف بترايوس ستانلي ماكريستال مؤخرا قائدا للقوات الدولية في أفغانستان.

ويقول الكاتب إن على بترايوس أن يدرك تمام الإدراك أن خطة الحرب التي صادق عليها هو نفسه في العام 2009 لم يُكتب لها النجاح.

وقد تلقى تقييم ماكريستال السري الأخير عن الحرب والذي نشر بالتفصيل في صحيفة إندبندنت أون صنداي حيث أظهر عدم إحراز تقدم واضح منذ بدء الهجوم الأميركي في فبراير/شباط الماضي، كما لا يتوقع تحقيق ذلك في الأشهر الستة القادمة.

ولما كانت أطروحته لدرجة الدكتوراه حول العبر التي استخلصها الجيش من حرب فيتنام, فإن بترايوس طالما اتصف بالحساسية المفرطة تجاه المخاطر السياسية المحدقة بالقادة العسكريين الذين يوفدون لخوض حرب من غير المرجح الانتصار فيها.

ناهيك عن أن بترايوس كانت تساوره شكوك عميقة حول حرب العراق منذ البداية وكان ذلك ما يفهم ضمنا من قوله: "دلوني كيف نضع حدا لهذا"، وهي العبارة التي كثيرا ما رددها عندما كان قائد الفرقة 101 المحمولة جوا وهو يمازح أحد المراسلين في ربيع 2003.

كرزاي يصافح الجنرال ماكريستال عندما كان الأخير قائدا للقوات بأفغانستان (الفرنسية-أرشيف)
بين النجاح والفشل
في منتصف العام 2005 قال بترايوس سرا لضابط متقاعد من الجيش الأميركي إنه فات الأوان على نجاح محاربة التمرد في العراق، لأن الولايات المتحدة فقدت تأييد مجمل الطائفة السنية لصالح المتمردين.

أما ما ظل منسيا في الرواية الشائعة عن التحول الذي أحدثه بترايوس في العراق فهو إصراره على القول منذ البداية على وضع إستراتيجية لتجنب تحمل المسؤولية في حال فشل زيادة عدد القوات وإستراتيجيته الخاصة به لمحاربة التمرد.

قام بترايوس في جلسة استماع تثبيته بالكونغرس بخطوة فذة عندما قال أمام الشيوخ "عندما أقرر أن الإستراتيجية الجديدة لن تنجح سوف أعلن مثل هذا التقييم".

بل إنه ذهب لأبعد من ذلك بعد وصوله العراق حينما قال لمعاونيه إنه سيمنح الإستراتيجية محاولة أخيرة لمدة ستة أشهر، فإن لم تنجح بحلول وقت إدلائه بشهادته أمام الكونغرس في سبتمبر/أيلول 2007 فإنه سيوصي بالتخلي عنها، وذلك وفقا لمصادر مطلعة.

ومنذ أواخر يوليو/تموز وخلال أغسطس/آب 2007 عكف معاونوه على إعداد شهادته ليدلي بها أمام الكونغرس بينما كانوا في طور مناقشة ما إذا كانت المعلومات التي تم الحصول عليها من الأشهر الماضية تظهر حقا وجود ميل أو توجه يمكن الاستشهاد به أساسا لمثل هذا الزعم.

وفي النهاية أفلح بترايوس في إقناع وسائل الإعلام الإخبارية والنخبة السياسية بأن الإستراتيجية تعمل على ما يرام. ولكن ما كان يستشف من تفاهمه الأولي مع مساعديه هو أنه كان على أتم الاستعداد لنفض يديه من الحرب في العراق إذا خلص إلى عدم قدرته على تقديم طرح مقنع بأن إستراتيجيته تلك تحقق نجاحا.

وما يمكن توقعه هو أن يتصدى بترايوس لمهمته الجديدة في أفغانستان بعزم مماثل للحد من خطر ربط اسمه بإستراتيجية خاسرة.

هل يسير بترايوس على نهج أوباما؟ (الفرنسية)
واقعية بترايوس ونهج أوباما
وتعتقد مصادر على دراية بنمط تفكير بترايوس بأنه سيقوم بمراجعة كاملة وتقييم شامل للإستراتيجية الموجودة بمجرد تسلمه زمام القيادة.

وبدلا من شجبه ورفضه للجدول الزمني لأوباما الذي يحدد يوليو/تموز 2011 موعدا لتسلم الحكومة الأفغانية للمسؤولية الأمنية, فإن بترايوس ربما كان يرغب في الإفادة من ذلك التاريخ واستثماره شأنه شأن التقييم الشامل المقرر إجراؤه في ديسمبر/كانون الأول 2010.

وبمقدوره استخدام كلا التاريخين أساسا لتنقيح وتعديل ما تعهد به مطلع العام 2007 بأنه سيقر إن كانت الإستراتيجية التي تبناها ناجحة أم لا ورفع تقييمه هذا للرئيس.

ومن المؤكد أنه يرغب في هذه الأثناء في البدء بالرد على التوقعات الشعبية حول سير العمل بالإستراتيجية عن طريق توفير تحليلات متوازنة لأبعاد المشاكل التي سيواجهها في أفغانستان بدلا من تلك التي تحدث عنها الجنرال ماكريستال علنا.

إن أحد أهداف إعادة تقييم الإستراتيجية يفترض أن يكون تحديد الأهداف التي تحتاج إلى تعديل أو شطب لأنه يتعذر تحقيقها. وربما يتخلى بترايوس عن خطة ماكريستال التي تعد طرد طالبان من مقاطعات رئيسة في ولايتي هلمند وقندهار معيارا للنجاح لكونها خارج نطاق قدرات قوات التحالف والحكومة الأفغانية.

إن واقعية بترايوس يجب أن تدفعه للعمل عن كثب مع نهج إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما أكثر منها مع أسلوب سلفه جورج بوش في التعاطي مع الأزمة في العراق.

ففي عهد بوش كان على بترايوس أن يتعامل مع رئيس ظل يتحدث باستمرار عن تحقيق النصر على المتمردين، في الوقت الذي كان فيه بترايوس يفكر في استيعاب السنة على الأقل في العملية السياسية.

أما الآن فإن كلا من أوباما وبترايوس يستبعدان النصر على طالبان، حيث يرى كلاهما احتمال التوصل إلى تسوية مع طالبان بتدخل الباكستانيين.

وخلص كاتب المقال إلى أن الأشهر القادمة ستكون محكا على قدرة بترايوس على الإبحار في لجج المناورات السياسية الغادرة ليقود حربا لا يمكن إدارة دفتها إلا بالتورط في مأزق دموي في أفضل الأحوال.

على أن إنقاذ هذه الحرب قد يكون أبعد من إمكانياته, لكن ربما لن يعدم القائد بترايوس الوسيلة لإنقاذ سمعته الشخصية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة