دراما سورية على إيقاع السياسة   
الاثنين 19/10/1431 هـ - الموافق 27/9/2010 م (آخر تحديث) الساعة 12:18 (مكة المكرمة)، 9:18 (غرينتش)

الفنان قصي خولي والفنانة تاج حيدر في لقطة من مسلسل أهل الراية (الجزيرة نت)

نغم ناصر-دمشق

في حارة دمشقية يلهب رضا الحر (يلعب دوره قصي خولي) مشاعر أهل حارته ليقنعهم بالدفاع عن الشام بالاستجابة لفرمان يطالب شبانها بالانضمام لجيش الدولة العثمانية لمحاربة أعداء "الدولة الإسلامية". إنه مشهد من مسلسل "أهل الراية" في جزئه الثاني، لم يكن يتخيله سابقا الكثيرون في بلد كسوريا، وهو يلخص تطور العلاقات السورية التركية بعد سنوات من التوتر عبرت عنه أيضا مسلسلات تلفزيونية.

الدولة العليا
بعد "أخوة التراب" الذي أنتج في 1996 وتناول "الثورة السورية" في وجه "الاحتلال العثماني"، واحتجت عليه تركيا لما حمله من مشاهد التعذيب بالخازوق، تصبح الدولة العثمانية في "أهل الراية" هي "الدولة العليا" البريئة من ظلم يطال البعض بسبب أخطاء فردية كما صورها المسلسل وتصبح المشاركة في "السفر برلك" (حملة عسكرية عثمانية على القوات البريطانية في مصر في الحرب العالمية الأولى) واجبا مقدسا لحماية الشام وأهلها.

نتج "أخوة التراب" -الذي كتب نصه حسن يوسف وأخرجه نجدة إسماعيل أنزور- بينما كانت العلاقات بين البلدين متوترة جدا لأسباب عديدة لكن العلاقات تحسنت مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة وانعكس ذلك أيضا في إنتاجين تلفزيونيين أحدهما "أهل الراية" إنتاج سوريا الدولية الذي كتب نصه أحمد حامد وأخرجه سيف الدين السبيعي وعرض في رمضان ويعاد عرضه حاليا.

في هذا المسلسل يظهر أهالي إحدى الحواري الشامية تحت حكم الخلافة الإسلامية لا "الاحتلال العثماني"، وضباط الدولة العثمانية هم ولاة الأمر الذين يناديهم العامة بـ"مولانا" و"جنابو"، وهم يشاركون الأهالي أفراحهم وأتراحهم بعدما كان البعض يلصق صفة العمالة بمن يتعامل معهم.

تقول المواطنة السورية كنانة "بعدما كنا نعذب بالخازوق بات صناع الدراما اليوم يصورون العثمانيين بالمحبين والمتسامحين".

المخرج سيف الدين سبيعي مع كادر العمل أثناء التصوير (الجزيرة نت)
ويقول المؤرخ محمود عبد الكريم إن العلاقات السورية التركية تعرضت لتراكم تاريخي لا يمكن التعامل معه بانفعالية سواء بالدفاع أو الهجوم و"على الكاتب تناول الحقبة بهدوء وموضوعية بعيدا عن الآراء السياسية ولا يحق له أن يكتب على هواه".

منهاج التاريخ السوري يصف الدولة العثمانية بالاحتلال ويذكر "بالتخلف والجهل الذي ساد في الوطن العربي" نتيجة لذلك لكن تحسن العلاقات السورية التركية يدفع البعض للتخوف من تغيير المصطلحات في المناهج الدراسية أيضا، هؤلاء يقولون إن تركيا المعاصرة ليست الدولة العثمانية، ولا شيء يمنع تطوير العلاقات معها بعيدا عن تزوير التاريخ.

"لكن مسلسلات كأهل الراية تعرض الأحداث التاريخية تدفع المشاهد إلى اتخاذ مواقف فكرية وثقافية خاطئة وتزيد جهله بتاريخ سوريا والبلدان العربية لأنها تزور التاريخ في الغالب" يقول الكاتب حسين العودات.

ويرى العودات أن هدف المسلسلات التسلية وكسب اهتمام المشاهد والتسويق، ولكون معالجة الحدث تتم عبر مسلسل وصورة يكون العرض والمنهج والمادة التاريخية عرضة (للشعبوية)، وهو يحمل المثقف السوري مسؤولية لا حدود لها في هذا المجال "فعليه التصدي بأقصى ما يستطيع للتزوير والتزييف، حتى يحترم التاريخ الحقيقي للأمة".

نفس تسامحي
لكن سبيعي يدافع عن عمله قائلا إن البحث في التاريخ يظهر أن أنصار الخلافة الإسلامية كانوا موجودين في سوريا، وهو يرى مسلسله مجرد "حتوتة شعبية" أراد لها كاتبها أحمد حامد أن تكون بهذا النفس التسامحي مع العثمانيين.

لكنه يضيف بأنه لا يتبنى أي شيء جاء في هذا المسلسل الذي أحرج بإخراجه، ولا يمت لمشروعه التاريخي الذي يقدم دمشق بصورتها الحقيقة كما قدمها في الحصرم الشامي.

قيم متبادلة
يقول أحمد حامد من جهته إن الأتراك يحملون قيم وعادات سوريا، وهو سعيد بهذا التناغم بين البلدين ليطرح وجهة نظره وهي أن الحقبة العثمانية كانت خلافة إسلامية لا احتلالا، وموقفه هذا كما يؤكد ليس محاباة للحكومة السورية.

 عباس النوري (الجزيرة نت)
"قصة رضا الحر بطل المسلسل واقعية حدثت لأحد أبناء قريتي في ريف دمشق وتصرفت فيها بما يخدم الحبكة وأنا ككاتب أستطيع تحقيق التقارب بين الشعبين التركي والعربي".

ويفتخر أحمد حامد بثناء السفارة التركية في سوريا على عمله، ولا يخشى انتقاد المثقفين العرب كما يقول، ويستعد لكتابة مسلسل جديد يتناول المرحلة الحالية يريد به تحقيق "تناغم تركي سوري". تناغم على ما يبدو لم يتحقق بين آراء مؤلف مسلسل أهل الراية ومخرجه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة