المشهد البرازيلي.. تجربة صعود تتقاذفها الأزمات   
السبت 1437/7/16 هـ - الموافق 23/4/2016 م (آخر تحديث) الساعة 4:09 (مكة المكرمة)، 1:09 (غرينتش)

محمد العلمي-ريو دي جانيرو

الهزيمة الساحقة للرئيسة البرازيلية ديلما روسيف في تصويت مجلس النواب لصالح طلب  بمحاكمتها برلمانيًّا، جاءت لتعمق جراح البلاد وتضعها على سكة غير مضمونة السلامة خلال الأشهر القليلة القادمة.

وتشير بعض المصادر الصحفية البرازيلية إلى أن الرئيسة ربما تواجه في مجلس الشيوخ وضعا أسوأ مما كان عليه الأمر في مجلس النواب.

وقد أعلن بالفعل 46 عضوا في مجلس الشيوخ -المكون من 81- عزمهم التصويت لصالح مقترح النواب بمحاكمة الرئيسة روسيف برلمانيًّا.

وإذا صحت تلك التوقعات، فإن الرئيسة ستعزل من منصبها مؤقتا لمدة ستة أشهر، ولا يحتاج أعضاء مجلس الشيوخ لتحقيق ذلك سوى 42 صوتا، لكنهم سيحتاجون إلى أغلبية الثلثين بعد انتهاء المحاكمة البرلمانية لإدانة الرئيسة وعزلها نهائيا.

البرازيل التي قفزت في عهد الرئيس السباق لولا داسيلفا إلى مصاف الدول الصاعدة، باتت اليوم تواجه مشاكل اقتصادية وسياسية وحتى صحية، تعيق نموها المتسارع.

ويبدو أن الرئيسة روسيف كانت سيئة الحظ بقدر ما كانت مسؤولة ببعض تصرفاتها وطريقة إدراتها للحكم والاقتصاد، مما أدى إلى استفحال الأزمات.

بدأت الأنباء السيئة في البرازيل بتراجع أداء الاقتصاد الصيني الذي كان أهم شريك اقتصادي وأبرز مستهلك للمواد الأولية البرازيلية.

وقد تفاقمت مشاكل البرازيل بارتفاع جميع الأرقام التي يتعين أن تنخفض، مثل عجز الميزانية الاتحادية ونسب البطالة والتضخم.

في المقابل انخفضت كل الأرقام التي يتعين أن ترتفع، مثل نسب النمو الاقتصادي والصادرات، وفقدت العملة الوطنية -الريال- في المدة الأخيرة ثلث قيمتها تقريبا بالمقارنة مع الدولار.

 ديلما روسيف تواجه خطر الإقالة في مجلس الشيوخ البررازيلي (الأوروبية)

موجة فساد
صاحبت تلك الأرقام السلبية موجة فساد ومحاكمات وإدانات واسعة لكبار رجال المال والسياسة الذين كان ينهبون شركة بيتربرايش العملاقة التي كانت تعاني أصلا من تراجع مداخيلها بسبب تراجع أسعار الطاقة.

المشاكل الاقتصادية والأخلاقية و"سوء تدبير الرئيسة روسيف" غذت أزمة سياسية غير مسبوقة منذ انتهاء الحكم العسكري في البرازيل أواسط ثمانينيات القرن الماضي.

هذا الوضع أدى إلى تراجع الاستثمارات بشكل غير مسبوق منذ عقود لخوف المستثمرين من وضعية سياسية غير مستقرة. ووجد خصوم الرئيسة وحزبها فرصة اكتملت فيها مكونات الإعصار المثالي للتوصية بمحاكمتها، رغم ما يراه بعض أساتذة القانون الدستوري ضعفا في التهمة الموجهة إليها.

وأكدت روسيف في أكثر من مناسبة أن التهمة الموجهة لها وهي الاقتراض من مصارف تابعة للدولة للتغطية على العجز في الميزانية الاتحادية، من الأمور التي أقدم عليها الرؤساء من قبلها ويفعلها حاليا حكام الولايات.

وتدفع بأنها ونائبها لم يرتكبا جرائم مالية، في حين أن خصومهما السياسيين يواجهون تهم الفساد وتبييض الأموال، على حد قولها.

جانب من مظاهرة حاشدة خرجت في مارس/آذار الماضي تطالب بإقالة الرئيسة البرازيلية (أسوشيتد برس)

التقاعد المبكر
ورغم ما يبدو ضعفا في التهمة الموجهة إلى الرئيسة، تحمل كل المؤشرات على الاعتقاد بأن روسيف في طريقها إلى التقاعد المبكر وانتهاء حكم حزبها اليساري الذي دام 13 عاما.

أما نائبها ميشال تامر ذي الأصول العربية اللبنانية فسيحتاج إلى معجزة من أجل إعادة التوازن إلى اقتصاد البلاد، وكسب ثقة المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية.

لكن تامر نفسه يواجه تهم فساد كما هو شأن نحو 60% من المشرعين البرازيليين، كما قد يواجه ذات التهم التي ستحاكم من أجلها الرئيسة.

وتجري السلطة الانتخابية الأعلى في البلاد تحقيقا مستقلا في ضلوع كل من الرئيسة ونائبها في تمويل حملاتهما الانتخابية من أموال مشبوهة. وإذا ثبتت هذه التهم فإن البرازيل ستكون مقبلة على انتخابات رئاسية مبكرة.

هذا المشهد السياسي المرتبك يشغل فئات كبيرة من الفقراء والسود البرازيليين، ويبعث على القلق بشأن المساعدات الاجتماعية.

وكان الحزب اليساري الحاكم قد بدأ ثورة اجتماعية في البرازيل انتقلت إلى العديد من دول أميركا اللاتينية بدخول الحكومة كفاعل مباشر في جسر الهوة السحيقة بين فقراء البلاد وأغنيائها.

أنصار الرئيسة خرجوا أيضا في مظاهرة حاشدة رفضا لمحاولة إقالتها واتهامها بالفساد (أسوشيتد برس)

تغذية الاحتقان
وهناك تخوف من أن غضب هذه الفئة وشعور زعامات حزب العمال بتآمر اليمين المتحالف مع طبقة المال والأعمال ضدهم، قد يدفع للنزول إلى الشارع وتغذية الاحتقان الاجتماعي وتعميق الأزمات المتعددة.

بيد أن هذا المشهد المعقد لا يخلو من مفارقات، فرغم وجود أزمات سياسية واقتصادية وتفشي الفساد وانتشار وباء زيكا، "أظهر النظام الدستوري قوة وصلابة ورشدا كبيرا. وقد يعزى ذلك إلى أن هذه ليست أول تجربة من نوعها في البرازيل، فقد حاكمت وطردت أول رئيس منتخب بعد رحيل العسكر.

وكان الرئيس فرناندو كولو قد حوكم برلمانيًّا وعزل قبل أن يكمل عامه الثالث في الحكم عام 1992.

لكن بعض المراقبين يخشون أن يصبح الأمر تقليدا في المشهد السياسي البرازيلي، وتصبح عناصر من قبيل تراجع الشعبية أو كبوة الاقتصاد مبررات مزاجية لا دستورية للتخلص من الرؤساء والمنتخبين، مما يشكل خطرا حقيقيا على النظام الديمقراطي الفتي في البلاد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة