أحمد حرب: انتهاكات بفلسطين دون حسيب أو رقيب   
الثلاثاء 1435/8/13 هـ - الموافق 10/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 2:23 (مكة المكرمة)، 23:23 (غرينتش)

حاوره في رام الله -عوض الرجوب


أكد مفوض الهيئة الفلسطينية لحقوق الإنسان (ديوان المظالم) الدكتور أحمد حرب استمرار حالات التعذيب في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، رغم تراجعها في السنوات الأخيرة، مطالبا بمحاسبة جدية للمسؤولين عنها.

وأضاف أن كثيرا من القضايا تنتظر حكومة التوافق الوطني ويجب أن تعالج جذريا، مشيرا إلى استحقاقات تترتب على انضمام فلسطين لاتفاقية مناهضة التعذيب.

وفيما يلي نص الحوار الذي تطرق لقضايا أخرى:

 استنادا لتقرير الهيئة للعام 2013 والنصف الأول من هذا العام، كيف تصف حالة حقوق الإنسان في الضفة الغربية وقطاع غزة؟

بشكل عام إذا تكلمنا عن وضع حقوق الإنسان 2013، هناك متغيرات، كما وصفنا في التقرير، حيث لم نشهد بالفعل تطورات إيجابية نستطيع أن نفاخر بها وبتحسن حالة حقوق الإنسان.

الانتهاكات لا نحسبها بالعدد، وإنما بالنوعية. بالنسبة للشكاوى أحيانا عدد الشكاوى مؤشر وأحيانا أخرى لا يكون مؤشرا، فمن الممكن أن تُسجَل في سنة من السنوات 2000 شكوى، وفي أخرى عشرة الشكاوى، وقد تكون الأخيرة مؤشر كحالات تعذيب أكثر من التي سبقتها، فيجب أن نكون حريصين من حيث العدد.

لكن الذي كان مثيرا لنا أن النسبة العالية من الشكاوى كانت على جهاز الشرطة، في غزة، كان هذا لافتا.

طبعا هناك شكاوى ضد الأجهزة الأمنية وانتهاكات تتعلق بالسلامة الجسدية، وبعض الشكاوى بالفعل يمكن أن تسجل كحالات قاسية. كما قلت موضوع التعذيب ليس بعدد الانتهاكات، وأي حالة تسجل تبقى تعذيبا.

الشيء الأساسي أنه لا يمكن أن تختفي الانتهاكات في تقديري. نحن لسنا مملكة أفلاطونية. وهذه الحالات -لا أبرر لأي أحد- تقع في أكثر المجتمعات تدعي الديمقراطية. المهم أن تكون هناك محاسبة حقيقية.

المساءلة
 وهل هناك مساءلة حقيقية؟

تكون المساءلة حقيقية إذا ثبت تطبيق القانون. وإذا لم تكن هناك محاسبة يصعب الادعاء بأننا نقوم بحماية حقوق الإنسان.

التقرير طالب بالمحاسبة في جميع الانتهاكات الجسام أو الانتهاكات الخطيرة. وحتى الآن هنا مفاهيم مختلفة للمحاسبة. والمفهوم الحقوقي للمساءلة هو الذي يجب أن يكون على السلطات التنفيذية. تجد نفس الادعاءات هنا وفي غزة. يقولون نحن نحاسب، ونسائل ولنا طرقنا للمساءلة.

ربما هم بطريقتهم يخفضون رتبة شخص ما، لكن ليس هذه المحاسبة التي نطلبها. التعذيب جريمة، وعندما تقع يجب اتخاذ جميع الإجراءات التي تتفق مع نوع الجريمة، هذه هي المساءلة والمحاسبة، وهذا لم يحصل في فلسطين، لا في قطاع غزة ولا هنا.

دائما هناك موقف عند السلطة التنفيذية -نحن نسميه التذرع بمسميات الأمن- وهو أن هذه الأمور سرية وأمنية وحاجة أمنية، ونحن قادرون ونحاسب ونحافظ على حقوق الإنسان. لا أحد يقول لا أحافظ على حقوق الإنسان.

 أيهما أكثر تسجيلا للانتهاكات، الضفة أم غزة؟

لا نريد أن نضع أنفسنا في قضية أيهما أكثر انتهاكا. كما قلت الانتهاكات لا تعد بالعدد، بل بالمبدأ. نعم تقع انتهاكات على مختلف المستويات في قطاع غزة والضفة الغربية. كثير من الانتهاكات خاصة ما يتعلق منها بالأجهزة الأمنية كانت على خلفية الانقسام الطويل الذي ابتلينا به.

أشكال التعذيب
 ما أكثر أشكال التعذيب ممارسة وقسوة؟

كل أنواع التعذيب سيئة. نحن لا نتكلم عن الجانب الجسدي، بل الجانب السيكولوجي أيضا مهم.

مثلا الشَبْح، وإبقاء الشخص المتهم واقفا لمدة طويلة، تكميم الرأس -وهذا انتشر في غزة بكثرة-بحيث يبقى الشخص 24 ساعة ولفترات طويلة. والضرب المباشر والشبح على كرسي.

وهناك أشكال كانت تنتشر وتلاشت بعد أن أحدثت ضغطا كثيرا. وحتى الجهات التي مارستها في السلطة أخذت مواقف واضحة من هذا الاتجاه. فالرئيس أصدر مرسوما بناء على طلب الهيئة بتحريم كل هذه الأشياء وتشديد العقوبات على مرتكبيها.

ما يجب أن نذكره عند الحديث عن التعذيب أن الهيئة لا ترى الأمر ممنهجا، هذا من المهم أن نذكره ونؤكد عليه.

معظم حالات التعذيب تحدث أثناء التحقيق، والأيام الأولى من التوقيف، نتيجة لعدم وجود آليات متقدمة لفحص الجريمة. البعض يعتقد مثلا أنه باستخدام الشبح والضرب يستطيع أن يستخلص الاعتراف.

 لكن لديكم عدد هائل من الشكاوى، أليس هذا دليلا على المنهجة؟

أعتقد أن هذا خلط، عندما نتحدث عن التعذيب يجب أن نفرق بينه وبين السلامة الجسدية أو السلوك الذي يمس بالكرامة. بعض الشكاوى تتعلق بمجرد التفوه بكلمة أو بسلوك غير مناسب أو استعمال الشتيمة، هذه كلها شكاوى نسجلها، لكن إذا أردنا أن نتكلم عن التعذيب كحالة ممنهجة، أستطيع التأكيد بقوة بأنه لا يوجد تعذيب ممنهج.

إذا أردت أن ترجع إلى الوراء في بدايات السلطة. نعم كنت أشعر أنه موجود ويؤدي لحالات وفاة.

 هل أنتم مقتنعون بنتائج ما نشر عن بعض حالات الوفاة داخل السجون؟

نحن غير مقتنعين ولم تنشر نتائج تحقيق أصلا. يجب تطبيق مبدأ المساءلة، لأن الوفاة داخل السجن سواء انتحار أو طبيعي... إلخ هي مسؤولية السلطة والسجان.

قضايا عالقة
 بعد تشكيل حكومة الوفاق الفلسطيني، لا يزال الكثير من القضايا عالقة، ومنها قضايا التعذيب، ما الذي يجب على الحكومة فعله بهذا الشأن؟

سؤال وتحد كبير، من المواضيع التي ندرسها حاليا كل التبعات القائمة على المصالحة، وكيفيتها وما الخطوات التي يجب فعلها. موضوع المصالحة من الناحية السياسية مصلحة وطنية، لأن الانقسام مهدر لحقوق الإنسان والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

المهم لنا كهيئة حقوقية هو ما تبعات المصالحة؟ وهذا يعتمد على الخطوات التي ستتخذ لتعميق ما يسمى المصالحة التي عالجت المشاكل السطحية، ولا تريد معالجة القضايا الأساسية.

المطلوب من الحكومة في المرحلة القادمة أمران على الأقل يجب احترامهما، الأول توحيد القرار الفلسطيني بغض النظر عن آليات التعيين وغيرها. وهذه خطوة مهمة يجب أن نرى كيف ستترجم على الأرض، ومدى الصدقية والجدية عند الأطراف لتطبيقها.

أما الأمر الثاني فهو أن توحيد القضاء خطوة أساسية وضرورية ومقدمة لتحقيق عدالة انتقالية والسلامة المجتمعية، إذا أردنا أن نسير بالفعل مع حقوق الإنسان.

سمعت الأخ اسماعيل هينة يقول نحن نعتذر. نحن لا نتحدث عن شربة فنجان قهوة. إذا القوى السياسية ترى المصالحة أنها "عفا الله عما سلف"، فهذا له مسار مختلف.

لكن نحن في الهيئة الموضوع لدينا أكثر أهمية، ندرس آليات التعامل معها، السلطة التنفيذية وحكومة الوفاق تحديدا، يجب أن تتخذ الإجراءات المناسبة.

نؤمن أن الأمر خطوة خطوة، وأنه صعب ويمكن أن يمتد عشرين سنة، لكن يجب أن يكون هناك مبدأ أساسي نتفق عليه أن الموضوع مهم ويجب معالجته حسب القانون.

العدالة الانتقالية فيها جبر للخواطر والتعويض وأحيانا الاعتذار بأكثر من طريقة، لكن المبدأ يجب أن يكون موجودا.

مشكلة كبيرة
 إلى أي مدى تعتقدون أن منظومة القوانين السارية كافية لحماية حقوق الإنسان الفلسطيني، خاصة مع شلل المجلس التشريعي منذ سنوات؟

هذا الموضوع واسع، لكن بشكل عام عندنا مرجعية هي القانون الأساسي وتعديلاته، لكن هناك مشكلة حقيقية كوننا لسنا دولة مستقلة رغم العضوية، وثانيا هناك خصوصية نظرا لتطبيق مجموعة قوانين وتعديلاتها: قوانين أردنية بالضفة وأخرى مصرية في غزة، وقوانين الانتداب البريطاني، لذلك مثلا ترى الكثير من الأحكام التي تصدر تسند للقانون العقوبات الأردني للعام 1960.

وعندما نتكلم عن وحدة القضاء والقانون، هناك بالفعل مشكلة تحتاج إلى جهد كبير، ونأمل أن يستكمل الاستقلال وتتم الانتخابات التشريعية، ويكون لنا دولة توحد كل هذه القوانين.

أتمنى بالفعل أن تقوم حكومة الوفاق التي لها مهام محددة بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، هذا هو المهم، لنعزز المرجعية التشريعية، ومنها ننطلق.

قرارات المحاكم
 تكررت في السنوات الماضية قضية التنكر لقرارات المحاكم، والمماطلة في تنفيذها، كيف تابعتم هذه القضية؟

هي تشكل قلقا من أكثر من ناحية، فعدم تنفيذ قرارات المحكمة له مؤشرات سلبية كثيرة، منها عدم احترام القضاء، تشكيك في نزاهة وهيبة القضاء. وإذا لم يكن هناك هيبة للقضاء فهذا يمس بالفعل حقوق الإنسان.

من جهة أخرى عدم تنفيذ قرارات المحاكم يكون في قضايا لها علاقة بجوانب أمنية، وهنا يكون تدخل من السلطة التنفيذية في عمل القضاء، وهذا ننظر له كأمر خطير. تُقدّم مبررات لماذا يتم هذا، لكنها غير مقنعة. نحن نؤمن أن الأمن يقوم بعمله، لكن وفقا للقانون.

 تشكلت مؤخرا حكومة الوفاق الوطني، فهل أنت متفائل بتراجع انتهاكات حقوق الإنسان؟

لا أستطيع أن أقول متفائل أو متشائم أو متشائل، نحن في هذا الموضوع واقعيون، نحن في واقع مرير، نعرف أن حكومة الوفاق لن يكون لديها الحل السحري لكل هذه الأشياء.

حكومة الوفاق لم نر منها غير تشكيل هذه الحكومة بالأشخاص، هناك أشياء كثيرة يجب أن تُعمل. كل القضايا التي تسبب فيها الانقسام ونتج عنها هذه الانتهاكات يجب معالجتها بأشكال مختلفة.

مرة أخرى، أؤكد إذا كانت هناك نوايا سليمة وإرادة سياسية، وإيمان عميق بالفعل بحقوق الإنسان، وحكومة تضع المبدأ ويكون هناك رؤية وإستراتيجية صحيحة للمتابعه فسننجح، صحيح المهمة صعبة، لكن سننجح.

ما نسمعه حكومة مؤقتة، تشرف على الانتخابات. الشيء الصحيح والمهم جدا أن يكون هناك جانب تشريعي يقوم بالتشريع والرقابة. كل القضايا التي وثقت يجب أن يكون لها مرجعية قانونية هي المجلس التشريعي.

الشكل الذي نحن فيه وصدور القرارات بمراسيم بغض النظر لها ضرورة أم لا، تعطي انطباعا بأن هذا ليس الشيء الصحيح.

لا اتصالات
 هل اتصلت بكم أي جهة فلسطينية للقيام بدور ما أو أخذ رأيكم في معالجة ملفات المصالحة؟

ما حدث شيء سياسي بامتياز، حدث سياسي براغماتي، يلبي حاجات هذه الأطراف. موضوع حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية.. إلخ، كلها مواضيع مؤجلة لم تبحث ولم نستشر أو تستشر أي جهة حقوقية.

 أشار تقريركم السنوي إلى 32 حالة اعتقال بين الصحفيين خلال 2013، ما مدى رضاكم عن واقع الحريات الإعلامية في فلسطين؟

عندما يكون صوت معين يخالف التوجه السياسي السائد، دائما تحاول السلطة التنفيذية أن تجد طرقا لمحاصرة هذا الصوت بشكل أو بآخر. لكن نسبيا دعني أقول الوضع جيد.

الخلفيات التي تم تبريرات الاعتقال فيها كانت مغلفة بالسياسة، فأحيانا -حتى نكون دقيقين في التصنيف هل هي اعتقال تعسفي أم تحت حرية الرأي والتعبير- معظم الاعتقالات التي تمت من الأجهزة الأمنية سواء الضفة أو غزة بالنسبة لنا كانت واضحة بناء على خلفية المعتقل السياسية أو انتمائه السياسي.

مصلحة وطنية
 خارجيا.. إلى أي مدى تؤثر تقارير حالة حقوق الإنسان في فلسطيني في تغيير الموقف الأوروبي تجاه السلطة؟

عندنا موقف إستراتيجي، نحن لا نقبل من أي جهة أن تمارس ضغطا علينا. نحن كهيئة وطنية نتعامل مع سلطة وطنية من منطلق الحرص على مصلحة وحقوق الإنسان. نحن نقدم تقاريرنا مباشرة للرئيس. وبالتالي عندنا الآليات التي نتكلم بها مباشرة وتقريرنا وسيلة ضغط أساسية أيضا، وكثير من المؤسسات تتعامل مع تقاريرنا.

المهم أن نبقى شفافين لا نخجل، كلنا مجتمع متكامل. صحيح تقع انتهاكات، لكن العجز عندما تقع ولا نسائل المسؤول عنها، هنا المشكلة.

انضمام فلسطين
 قبل أن نختم، انضمت فلسطين مؤخرا إلى مجموعة اتفاقيات دولية بينها اتفاقية مناهضة التعذيب، هل فلسطين قادرة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الاتفاقية؟

لماذا لا تكون قادرة؟

 هناك تشريعات وقوانين يستوجب سنها.

إذا كان هناك إرادة وتصميم يكون كل شيء. السلطة تعرف ونحن نعرف أن هناك التزامات، والسؤال كيف تكيف الخصوصية الفلسطينية مع هذه المسؤولية.

في خطتنا الإستراتيجية هناك بند أساسي في كيفية التعامل واستخدام هذه الآليات وحقوق الإنسان في فلسطين.

نحن نقدم نصيحة وإرشادا لدولة فلسطين. نحن هيئة وطنية وجزء من مسؤولياتها تجاه المجتمع الدولي أن نقدم الطرق المتاحة لتطبيق هذه القوانين.

 هل من إضافة أخيرة؟

موضوع حقوق الإنسان شائك وسيبقى شائكا في ضوء المتغيرات السريعة التي تحصل. يتطلب الأمر ديناميكية عالية للتجاوب مع كل هذه المتغيرات بأفضل طريقة لخدمة حقوق الإنسان.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة