صيادو البراري في مالي.. أساطير وعوالم خفية   
الخميس 1437/9/11 هـ - الموافق 16/6/2016 م (آخر تحديث) الساعة 14:37 (مكة المكرمة)، 11:37 (غرينتش)

أحمد الأمين-باماكو

في كوخه المتواضع بالضاحية الجنوبية لمدينة باماكو عاصمة دولة مالي، يجلس الثمانيني تيموغو دمبيا، أحد آخر من تبقى من رموز صيادي البراري التقليديين، يسترجع ذكريات زمن غابر تحكي تفاصيله حياة هؤلاء وعالمهم المؤسَّسَ على الأسطورة، المسكونَ بالأرواح الخفية والقوى الخارقة.

يدس تيموغو يده في جيب ثوبه الخَلِقِ، فيُخرِجُ صرة من مسحوق التبغ، يأخذ منها قدرا قليلا بين سبابته وإبهامه ويودعه بعناية في فمه، قبل أن يسترسل في الحكاية مستعينا بابنه عبد الله المهيأ للخلافة في زعامة الصيادين.

في حديثه المتأثر بالسن والمحكوم "بواجب التحفظ"، يغوص بك تيموغو في عالم القوم ويحكي لك عن قواعد حياتهم الصارمة وأدوارهم في حياة الماليين، وبين الفينة والأخرى يرسل نظرة من عينيه الغائرتين إلى حيث حربته القديمة التي علاها الصدأ، كأنما يستحضر إنجازاتها ويبكي ماضيهما المشترك.

تعيش وأنت تستمع إلى حديثه حياة من الغرائب، فصيادو البراري مجتمع تحكمه منظومة ضوابط تتداخل فيها الأساطير والعادات، وقواعد الانقياد للزعيم الذي يستمد سلطته وهيبته من مقدسات متوارثة، تؤسس لها "الروح الحارسة" التي تجسدها أسطورة الثنائي "سانا وكونتورون".

 تيموغو دمبيا وابنه عبد الله (الجزيرة)

الروح الحارسة تشكل الكلمة المفتاح في عالم الصيادين التقليديين، وتطبع حياتهم لتتجلى في ملابسهم وقواعد سلوكهم أثناء ممارسة الصيد والاستعداد له، حيث يلزمون بطقوس وقواعد صارمة، يعتبر الخروج عليها خطرا على الحياة وتهديدا للبقاء.

ملابس القوم تشكل التعبير الصارخ عن ذلك، فالصياد يرتدي صدرية خاصة يغطيها "الوَدَعُ" (المحار) والتمائم التي يعتقد أنها تحميه من الأرواح الشريرة، وتمنحه قوة خارقة تمكنه من "قراءة الغيب" والتغلب على الشر، ومعرفة أوقات الحظ والنحس.

قوى خفية وأرواح شريرة
يقول الخبير في مجال التراث درامان ديارا إن "الأساطير المؤسِّسة لثقافة الصيادين تفرد مساحة واسعة للعوالم الخفية والأرواح الشريرة، التي لا بد للصياد أن يمتلك قوى تضمن له مواجهتها وتقيه مخاطرها".

درامان ديارا: مكانة القائد
في مجتمع الصيادين عالية 
(الجزيرة)

ويضيف ديارا في حديثه للجزيرة نت أن "الصيادين يعتقدون أن كل حيوان بري تدافع عنه قوة خفية تهاجم من يحاول صيده، ولا بد للصياد أن يكون محصنا ضد تلك القوى، لذلك تراهم يلبسون تلك الصدريات التي يعتقدون أنها تحميهم وتحصنهم".

حضور "الروح الحارسة" في حياة مجتمع صيادي البراري يبرز بقوة في اختيار القائد، حيث يتقدم المترشح للزعامة العسكرية أمام الرمز الروحي الذي يتبع له من أجل التزكية، وفي حال وجود منافسة بين أكثر من مترشح يقدم كل واحد منهم ثلاث دجاجات وطبقا من ثمرة "غورى" المحلية، فيأخذ الرمز الجميع ويذهب إلى حيث يمارس طقوسه ويقدم القرابين، وأول واحد يُقبل قربانه ينصبه قائدا.

ويقول درامان ديارا إن "مكانة القائد في مجتمع الصيادين عالية، وقراراته لا تناقش، لدرجة أنه في الاحتفالات هنالك معزوفات لا تعزف إلا للقائد ولا يحق لغيره الرقص عليها، وإذا أراد أحد المقربين أو الحاضرين أن يفعل فعليه أن يستأذنه".

ويضيف أن مكانة القائد ورمزيته تفرض الاستئذان في الرقص بطريقة خاصة، حيث يتقدم الراغب في الرقص أمام القائد وينحني منحرفا بوجهه عن الزعيم وينتظر حتى يومئ له بالقبول، وإذا لم يفعل يبقى على تلك الحالة حتى تنتهي المعزوفة.

صيادو البراري الماليون وإن حافظوا على ثقافتهم، فإن مكانتهم ظلت تتراجع منذ استقلال البلاد، ويكاد دورهم اليوم ينحصر في توفير الأمن في القرى النائية بالتعاون مع الشرطة، حسب الأمين العام لاتحادية الصيادين درامان فونتاغي كوليبالي.

ويقول كوليبالي في حديثه للجزيرة نت إن الصيادين كانوا حراسا للملوك والقادة التقليديين، كما وفروا الحماية والأمن للمجتمع، إلى جانب دورهم في ضمان التموين باللحوم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة