مودي يفقد سحره في ولاية بيهار الهندية   
الثلاثاء 1437/1/28 هـ - الموافق 10/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 12:17 (مكة المكرمة)، 9:17 (غرينتش)

مجدي مصطفى

تحمل هزيمة حزب بهارتيا جناتا الحاكم بالهند في الانتخابات المحلية التي جرت بولاية بيهار نذير شؤم لرئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي، وتشكك في قدرته الاستثنائية على جذب أصوات الناخبين إلى حزبه القومي الهندوسي الحاكم، وطموحاته في تكريس سيطرة الحزب على البرلمان خلال السنوات الثلاث المقبلة. كما تشكل انتكاسة لمحاولاته تمرير إصلاحاته الاقتصادية، ولزعامة الرجل الذي طرح نفسه شخصية سياسية استثنائية في تاريخ الهند.

فولاية بيهار الفقيرة الواقعة شرق البلاد، هي كبرى ولايات الهند ويبلغ تعداد سكانها 103 ملايين نسمة، وتعد مقياسا للكثير من القضايا التي تعتمل في السياسة الهندية، ومن ثم خصص مودي الكثير من الجهد في الترويج لسياساته فيها. وتحمل خسارة حزبه هناك إيذانا ببعث جديد للمعارضة المحاصرة في البلاد، بما في ذلك حزب المؤتمر الذي أفل نجمه.

والانتخابات التي جرت الأحد الماضي كانت انتخابات محلية، إلا أن مودي حولها إلى استفتاء على زعامته. وعلى غير المألوف وجد الهنود رئيس وزراء البلاد يولي هذه الانتخابات في الولاية اهتماما خاصا حين خاطب الناخبين في ثلاثين تجمعا انتخابيا على الأقل، حيث اعتاد الناخبون أن تقتصر تلك الحملات الانتخابية على القضايا المحلية ويشارك فيها زعماء محليون فقط.

 أحد التجمعات الانتخابية لحزب المؤتمر المعارض (أسوشيتد برس)

ورغم ذلك كله أتت النتائج بعكس ما اشتهى الرجل وحزبه، وأظهرت تقدم تحالف يقوده حزب المؤتمر المعارض ويضم ثلاثة أحزاب أخرى، بـ176 مقعدا من بين 243 مقعدا في الولاية، بينما حصل حزب بهارتيا جناتا على 53 مقعدا فقط.

مودي أقر بهزيمته واتصل برئيس وزراء الولاية نيتش كومار الذي يقود التحالف الفائز ليهنئه على الفوز، بينما أعلن الناطق باسم التحالف سانجي سينغ أن سحر مودي انقلب عليه وفزنا بالمعركة بلا شك"، مكرسا بذلك الإحباط لدى قادة بهاراتيا جاناتا الذين كانوا يأملون أن يساعد الفوز في انتخابات بيهار الحزب في تعزيز قوته بالبرلمان ليعوض خسارته في الانتخابات المحلية التي جرت بدلهي في فبراير/شباط الماضي.
 
ويرى معارضو بهارتيا جاناتا في تلك النتائج "انعكاسا للسخط الشعبي من إخفاق حكومة مودي في الدفع بإصلاحات اقتصادية وتوفير فرص عمل لملايين الشباب الذين يعانون البطالة".

وقال شاراد ياداف -وهو زعيم آخر بالتحالف الفائز في ولاية بيهار- إن النتائج تظهر رفض الهنود لمحاولات حزب مودي الدفعَ بأجندة هندوسية، تشمل الدعوة إلى حظر ذبح البقر الذي يعد مقدسا عند الهندوس.

  دورات الأحزاب السياسية في الهند تتراوح بين علمانية وهندوسية متطرفة (رويترز)

وكان لافتا في الانتخابات البرلمانية التي جرت العام الماضي أن جزءا من أصوات المسلمين ذهب إلى حزب بهارتيا جناتا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، إلا أن أصوات المسلمين في هذه الولاية لم تذهب إلى الحزب سواء في الانتخابات البرلمانية أو حتى المحلية.

ويبدو أن خطاب رئيس وزراء الولاية كومار وتصريحاته ومواقفه السابقة تجاه الأقلية المسلمة هناك محل ثقة نسبية من قبل المسلمين مقارنة بحزب بهارتيا جناتا، ومن ثم ترى الأقلية أنه من الأفضل للأقليات أن تصوت لصالح الحكومة العلمانية.

ويبلغ عدد المسلمين في ولاية بيهار 14 مليون نسمة من بين أكثر من 180 مليون مسلم يعيشون "كأقلية" في البلد الذي يعد المليار نسمة، وهم يمثلون ثاني أكبر تجمع للمسلمين في العالم بعد إندونيسيا التي تحتل المرتبة الأولى، إذ يبلغ عدد المسلمين فيها أكثر من 200 مليون نسمة.

وشكل فوز حزب بهارتيا جناتا لهم مصدر مخاوف كثيرة، لا سيما أن هذا الحزب الذي تأسس عام 1980، خرج من رحم الحركة "الأصولية الهندوسية" التي تعتبر غير الهندوس -سواء أكانوا مسلمين أو مسيحيين- أجانب، وتعتبر الهند دولة هندوسية.

وإذا كان هذا الحزب قد بلغ ذروة صعوده السياسي في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، فقد تكون الانتخابات المحلية التي جرت في بيهار نذيرا بانحساره. والمتابع لمسيرة الصعود تلك يشعر أنه يشاهد فيلما هنديا انتقل من الشاشات إلى المشهد السياسي، فلم يكن لهذا الحزب عام 1984 غير مقعدين بالبرلمان الهندي من أصل 543 مقعدا، ثم ارتفعت حصته إلى 182 مقعداً عام 1999، وخاض تجربة الائتلاف بقيادته واستمر في الحكم حتى خسارته أمام حزب المؤتمر في انتخابات 2004، لكن حزب المؤتمر أصابه الوهن بعد انحسار البريق عنه وعن عائلة غاندي.

وانطلاقا من التجارب السابقة لصعود وهبوط الأحزاب العلمانية أو القومية بدرجاتها وصولا إلى أكثرها تطرفا (الأصولية الهندوسية)، فإنه لا يمكن استبعاد مؤشرات انحسار وهبوط تنتظر حزب بهارتيا جناتا وتصيبه كما سبق أن أصابت حزب المؤتمر التاريخي. ويتطلب الأمر فقط الانتظار والمراقبة لأحداث الفيلم السياسي الهندي "الطويل" كالعادة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة