البغداديون صناّع العـود.. لا يعـزفون   
الأربعاء 1432/1/17 هـ - الموافق 22/12/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:55 (مكة المكرمة)، 13:55 (غرينتش)
عامر العواد: لبغداد فنونها الخاصة (الجزيرة نت)

فاضل مشعل-بغداد
 
يستمر عامر علي العواد داخل أزقة حي الحيدرخانة أقدم أحياء بغداد التي طواها النسيان في عمله بالحفر على الخشب وربط الأوتار مواصلا مهنة معلميه القدامى صناع العود البغدادي دون أن يقطع الصلة مع الموسيقى والغناء، كما فعلت المعاهد الفنية في بغداد مؤخرا ومنعت تدريس المادتين تنفيذا لقرار حكومي.

ويصف عامر العواد الصلة بين بغداد والموسيقى بقوله إن عاصمة الرشيد هي موطن العود الذي هو مفتاح التراتيل والموشحات والمقام دون حواضر العراق الأخرى، فالجنوب موطن الغناء الريفي ذيالطابع الحزين الذي يعتمد الطبلة والناي آلة أساسية والعود آلة ثانية، وشمال وغرب العراق موطن الغناء البدوي الذي يعتمد الربابة آلة أساسية والعود آلة ثانية.

وكان عامر قد بدأ عمله صبيا لدى المعلم نجم العواد الذي كان بدوره صبيا عند فاضل العواد، وقد ورث عامر العواد عنه هذه الورشة الصغيرة في العام 1977 وهي تنزوي في واحد من أزقة حي الحيدرخانة العتيق.

ويقول عامر في حديث للجزيرة نت إن الغناء البغدادي يرتبط بقوانين صارمة، وإن معظمه ذو أغراض دينية ووطنية، وإلى جانب العود يعتمد هذا الغناء على آلات خاصة مثل القانون والسنطور والجوزة.
 
رنة البغدادي
ويفخر عامر بأن الورشة التي آلت صنع بداخلها العواد الشهير الراحل محمد فاضل أعوادا للموسيقار المصري محمد عبد الوهاب والفنان فريد الأطرش، وصنع الراحل نجم عبود أعوادا للمطرب اللبناني وديع الصافي والملحن المصري بليغ حمدي.
 
عامر ورث ورشته عن عوادين قدامى
(الجزيرة نت)
ويضيف "نعم.. تعلمنا هنا كيف نصنع العود، نصنع طاسة العود من خشب السيسم والجوز، ونصنع زند العود من خشب الزان والزيتون، وطريقتنا في ربط هذه الأخشاب وتركيبها تعطي رنة العود البغدادي المشهور بصوته العالي".

من جهته يقول مغني المقام العراقي عبد الرزاق الأعظمي إن آلة العود تباع عادة بمبالغ لا يتمكن الطلاب والهواة من دفعها، ولكن ورشة عامر العلي تقدم لهم الآلة بسعر يناسب دخلهم محافظة على جودتها ومهارة صانعها.

ويصف الأعظمي قرار منع تدريس الموسيقى والغناء في المعاهد الفنية والذي أصدره محافظ العاصمة بغداد الشهر الماضي، بأنه "يخالف الخواص والصفات التي تفردت بها مدينة بغداد ذات التنوع الديني والمذهبي".
 
لا لطالبان
ويقول الأعظمي في حديث للجزيرة نت "لا أظن أن المنع سيقف عائقا أمام هواة هذه الفنون الذين سيبحثون عن طرق أخرى للحصول على التعلم".
 
وكان أمين بغداد صلاح عبد الرزاق قر أصدر قرارا أمر فيه بتهديم التماثيل في مبنى كلية الفنون الجميلة ببغداد، كما أمر بإغلاق النوادي الاجتماعية ومحال بيع الخمور، وتضمن قرار المنع وقف تدريس الغناء في كلية الفنون الجميلة.

وأثارت تلك القرارات احتجاجات واسعة في الأوساط الثقافية نجم عنه تنظيم اعتصام قام به صحفيون وأدباء رفعوا شعار "لا طالبان في بغداد".
 
نصب الحرية في ساحة التحرير ببغداد (الفرنسية-أرشيف)
تسوية المنع
وجرت تسوية الأمر بعد تدخلات سياسية، فتم وضع سياج يمنع المارة من مشاهدة التماثيل في كلية الفنون الجميلة من الخارج إرضاء لأمين بغداد، وجرى تعديل قرار منع تدريس مادة الغناء، فاتفق على أن تدرس المعاهد الغناء والموسيقى بصيغتها الدينية والوطنية فقط لا العاطفية أو الغزلية.

يذكر أن بغداد -كغيرها من مدن العراق- لها فنونها الخاصة التي خلفها معلمون مهرة من أبناء المدينة، فسلمان الخطاط أبدع لوحة البسملة في جامع الفردوس، والنحات الشهير جواد سليم ترك نصب الحرية في ساحة التحرير.
 
أما الرسام فائق حسن فما زالت لوحته الشهيرة تنتصب منذ خمسين عاما وسط ساحة الطيران، ويرى من يدخل بغداد أثر النحات غني حكمت وتمثال كهرمانة التي ترش الزيت على لصوص علاء الدين الأربعين.

وترك هؤلاء في المدينة بصمات ما تزال صامدة، رغم أن يد الإزالة طالت نماذج أقل أهمية حتى الآن بتأثير فوضى التغيير الذي حل بالبلاد منذ الغزو الأميركي عام 2003، لكن عامر علي العواد يصر على مواصلة الحفر على الخشب، والإعلان أن بغداد تحافظ على طابعها المتحضر، وأنه كغيره من أبناء المدينة، لابد أن يترك بصمة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة