الثقافة والقهر الإعلامي   
الجمعة 1435/5/28 هـ - الموافق 28/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 13:49 (مكة المكرمة)، 10:49 (غرينتش)
أمير تاج السر
 
كما هو معروف، فإن أكبر ثورة حدثت في السنوات الأخيرة من القرن الماضي وقفزت بالحياة قفزة نوعية كبيرة، ومنحت الإنسان في أي مكان في الدنيا فرصة أن يكتب أمنياته، وطموحه وحتى خذلانه وانكساراته، ويشارك كل ذلك مع الناس، هي ثورة الاتصالات.

لقد اكتملت أركان تلك الثورة على مهل، لكن نتائجها كانت مباغتة ومذهلة وتزداد مفاجآتها كل يوم، وبات الآن من الممكن لأشخاص في قرى نائية في بلاد تفتقر لأدنى مقومات الحياة أن يستفيدوا من تداعيات تلك الثورة الكبيرة، أسوة بغيرهم من سكان المدن ذات الزخم والرونق.

بات ممكنا جدا لراعٍ أمي يتكئ على جذع شجرة في قرية بعيدة في ريف سوداني مهمش مثلا، أن يخاطب إذاعة البي بي سي من هاتفه المحمول، ويبدي رأيه في سياسة أميركا وروسيا، ومظاهرات أوكرانيا مثلا. ويمكن لذات الشخص وعن طريق برنامج "سكايبي" المرئي أن يشارك بصوته وصورته في تحقيق تلفزيوني عن شح المراعي وتقلص عائدات الثروة الحيوانية في بلاده.

بالطبع وسط كل تلك الإنجازات التي وفرتها ثورة الاتصالات ليستفيد الإعلام -سواء عن طريق قنوات الراديو والتلفزيون أو برامج الهاتف المحمول أو الإنترنت- من أعظم إنجازات هذه الثورة، ويوظفها في خدمة الأنشطة المختلفة من تجارية ورياضية واقتصادية وغير ذلك، كان لا بد أن يأتي ذكر الثقافة.

ونعرف جميعا أن الثقافة لو قدرت حق قدرها، لكان لها أولوية كبرى في جميع أنشطة الإنسان، هي في رأيي أداة العقل التي تحرك الجسد سلبا أو إيجابا، فكلما ازدادت ثقافة الإنسان ومعرفته زاد تفاؤله وطموحه في إنجاز حياة نوعية كاملة، وكلما غيبت تلك الثقافة وشحت المعرفة عاش الإنسان بلا طموح، وهكذا.

لذلك نجد دائما أن من أهم أهداف الديكتاتوريات في جميع أنحاء العالم وعلى مدى التاريخ، العمل على إتلاف المعرفة وتغييب الوعي العام، وبالتالي صناعة مجتمع خاضع بجميع قطاعاته لفكر وأدبيات تلك الديكتاتوريات، والأمثلة معروفة للجميع.

إذن نحن نتساءل وقد امتلكنا كل وسائل الانتشار الآن، ونستطيع معرفة دبيب النملة في جحرها، إذا ما سلط عليه الضوء، ماذا استفادت الثقافة أو ربما كانت ستستفيد إذا ما عوملت كمنتج بشري محترم، أو كسلعة غالية ومقدرة من الواجب احترامها وتسويقها؟ خاصة أن الثقافة قد ربطت بالإعلام في مسمى الوزارات والإدارات المعنية، في معظم الدول العربية.

والذين يملكون صفة تداول الإعلام في شكل قرارات أو مقترحات، يملكون أيضا صفة تداول الثقافة وخدمتها. وما يمكن أن يقدمه مسؤولو الإعلام للثقافة هو نفسه ما يمكن أن يقدمه مسؤولو الثقافة للإعلام، وهكذا.

لقد اكتملت أركان ثورة الاتصالات على مهل، لكن نتائجها كانت مباغتة ومذهلة، وتزداد مفاجآتها كل يوم

نعم هذا أكيد، لكن لو ألقينا نظرة شاملة على ما يقدم إعلاميا لخدمة الثقافة، لما عثرنا على نتائج كبيرة. هناك عدة عوامل تؤثر في تلك المسألة، وتبرز الشح الإعلامي في معاملة الثقافة بوضوح، سواء من ناحية الإعلام الرسمي لبعض الدول، أو حتى الإعلام الخاص المتمثل في قنوات فضائية، أو مواقع إنترنت كبرى يملكها أفراد ومؤسسات، وتمارس أنشطة حياتية مختلفة.

لقد لاحظت أولا خللا كبيرا في مفهوم الثقافة لدى معدي كثير من البرامج التلفزيونية التي تسمى ثقافية، هناك برامج تحمل مثلا اسم "ساعة ثقافة" أو "من الثقافة وإليها" تستضيف مغنيا معروفا، أو حتى غير معروف ليتحدث عن نشأته في حي شعبي، ولعبه كرة الشراب مع الأولاد في الشارع، وعثوره على ملحن جاء مصادفة لحيّهم انتشله وصيّره مغنيا ثم يمسك بالعود بين كل كلمة وأخرى، ليردد أغنية.

وفي نفس مثل تلك البرامج، يمكن أن يُستضاف سياسي من أي حزب أو لاعب كرة مخضرم، أو حتى شلة من مشجعي فريق كرة قدم، ولا يستضاف شاعر أو كاتب قصصي أو روائي، ليملأ المكان معرفة، ويمنح كلمة ثقافة حقها.

وحتى في البرامج الإذاعية والتلفزيونية التي يصادف أن تستضيف مثقفا بالفعل، وتناقش شاعرا عن قصيدة جديدة كتبها أو تعرض رواية جديدة لكاتب، قدم فيها شيئا ذا قيمة، ويمكن أن تقرأ لو ألقي عليها الضوء، نجد خللا واضحا.

فمواعيد تلك البرامج دائما في أوقات ميتة، لا تشبه الأوقات التي تنبض انتعاشا، وتخصص للمسلسلات التجارية المثبطة للذوق العام أو نشرات الأخبار الغاصة بالدم والضحايا، أو لإعادة مباريات كرة القدم التي لعبت في بلاد عدة، وأضاع فرق التوقيت بين الدول مشاهدتها حية.

وأقول إنني شاركت على مدى سنوات، في برامج إذاعية وتلفزيونية عديدة، تحدثت فيها عن تجربتي ككاتب روائي، وقدمت شهاداتي كاملة في الكتابة، وحتى الآن لم أستمع لأحد تلك البرامج، أو أشاهده، ذلك ببساطة أنها بثت جميعا في الوقت الذي لا يمكن أن يشاهدها فيه أحد، أي في ساعات متأخرة من الليل، أو مبكرة من الصباح.

وباستثناء البرامج المباشرة التي تنقل فعاليات ثقافية موسمية مثل معارض الكتب، وشاركت فيها أثناء وجودي في تلك المعارض، لم أشاهد شيئا آخر.

وقد لاحظت أن كثيرا من الأصدقاء الكتاب أو المثقفين عموما يضعون روابط لفيديوهات عن لقاءات تمت معهم ولم يشاهدها أحد، يضعونها في مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر، على أمل أن يشاهدها الأصدقاء ويدلون برأي، وأيضا من متابعتي لتلك المواقع، نادرا ما يتابع أحد تلك الفيديوهات، لأن تلك المواقع برغم جاذبيتها واشتعالها وامتلائها بالحياة والزخم، لن تساند أي تجربة مهما عظمت، مساندة كبيرة.

لو ألقينا نظرة شاملة على ما يقدم إعلاميا لخدمة الثقافة لما عثرنا على نتائج كبيرة، هناك عدة عوامل تؤثر في تلك المسألة، وتبرز الشح الإعلامي في معاملة الثقافة بوضوح

هي باختصار شديد، في غالبية مرتاديها مواقع للتسلية، ومغازلة صور البنات، وكتابة الخواطر والبحث عن معجبين لها، وقليل جدا أن تجد مهتمين حقيقيين يناصرون تجربة الكاتب، وينتصرون له لو ظلم وظلمت تجربته.

أعود لمسألة المنتج الثقافي، سواء كان رواية أو مجموعة قصصية أو ديوان شعر أو لوحة أو مسرحا وغيره، وسأعتبره سلعة محترمة وضرورية تماما مثل الدقيق والأرز والسكر وصابون الغسيل، أكثر من ذلك سأعتبره سلعة كمالية لكنها مطلوبة بشدة مثل الشامبو والعطور وأدوات تجميل المرأة وحفاضات الأطفال.

المشاهد الذي يجلس أمام جهاز التلفزيون قد يصاب بالكآبة والملل وهو يشاهد عرضا متكررا لفتاة جميلة، وقد تطاير شعرها وسمي حريريا وأكثر نعومة بعد استخدامها لشامبو معين، لشاب وسيم يستخدم شفرة للحلاقة، ولا يجرح، ولطفل توقف عنده التسرب وابتدأ يضحك لأول مرة، بعد استخدامه لحفاض ما.

كل ذلك يُعاد ويكرر بعد كل نشرة أخبار أو مشهد في مسلسل، ويصيب بالملل كما ذكرت، لكن التكرار مدفوع الأجر، وهو برغم كل شيء، ينحت صورا لا تمحى بسهولة في ذهن المشاهد، ويسعى لامتلاك تلك المنتجات.

الكتاب إن عومل كذلك سيصبح سلعة، وهذا ما يفعله الغرب بالضبط، في صناعة الكتاب، وترويجه بتداعيات الثورة الإعلامية، حتى يصبح إعلانا مملا ومكررا لكنه باق في ذهن المشاهد الذي سيسعى لمعرفة ما فيه.

وأثناء زيارة لي لمركز ماندادوري للكتاب، في مدينة ميلانو الإيطالية، ذهلت من اتساع المكان ونظافته، حتى لكأنه منتجع أو فندق كبير، ذهلت من المعاملة الكريمة التي يلقاها الكتاب، حيث يوفر بجميع أنواعه للأذواق المختلفة، أعني ورقيا وإلكترونيا ومسموعا ومع أفلام دعائية له، وكيف أنه كاد أن يصبح عطرا باريسيا، حين تقدمه لك فتاة مليحة، وتحدثك عن مزاياه.

وصادف أن حضرت عرضا لم أفهمه بالطبع وكان عن الترجمة الإيطالية لرواية "الجحيم"، آخر ما كتبه الأميركي دان براون، وما حدث بعد نهاية العرض أن الكتاب تم شراؤه من جميع الحضور.
_______________
روائي وكاتب سوداني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة