ميراني: العملية السياسية بحاجة لترتيب والانفصال مرتبط بالظروف   
الاثنين 11/9/1435 هـ - الموافق 7/7/2014 م (آخر تحديث) الساعة 20:57 (مكة المكرمة)، 17:57 (غرينتش)

حاوره في أربيل/ لقاء مكي

يحظى سكرتير الحزب الديمقراطي الكردستاني فاضل ميراني بميزة الاطلاع على أحوال السياسة واتجاهات الأحداث في إقليم كردستان وعموم العراق، فهو مقاتل قديم في البشمركة الكردية، ومسؤول أساسي بالإقليم، وانخرط في العمل السياسي منذ نحو خمسين عاما كانت كافية لتجعل منه شخصا مقربا من معظم الرموز العراقية التي تصنع الأخبار، وكذلك من القوى الاجتماعية والدينية الفاعلة في العراق.

ويعتز ميراني بأن أخواله من قبيلة طي العربية، كما أنه من مواليد الموصل، لذلك فهو يرى الأحداث بطريقة أكثر شمولية وحيادية، من غير عقد أو تأثيرات عرقية أو طائفية، كما أن خبرته السياسية الطويلة جعلته أكثر اعتدالا ودقة في التعبير عن مواقفه دون انفعالات أو تطرف.


استطلعنا آراءه بشأن أحداث العراق الراهنة والعلاقة مع إقليم كردستان وكان هذا الحوار:

نقف اليوم أمام أحداث متسارعة بالعراق وكذلك إقليم كردستان، ولنبدأ من الحدث العراقي الأبرز، وهو سيطرة المسلحين ومنهم تنظيم الدولة الإسلامية على مساحات واسعة من العراق، يضاعف من أهميتها أنها على تماس جغرافي مع إقليم كردستان، كيف تتعاملون مع هذا الحدث؟

ننظر بجدية كبيرة لذلك، لكن التعامل مع هذا الحدث ينبغي أن يكون عراقيا وطنيا وليس كرديا فقط، وإذا ما حللنا الوضع في الموصل والمناطق الأخرى التي سيطر عليها المسلحون سنجد أن تنظيم الدولة ليس وحده من يسيطر على هذه المناطق، بل إن هناك تنظيمات أخرى عراقية الانتماء مثل المجالس العسكرية، والبعثيين، وبعض الفصائل المسلحة، ومسلحين من أبناء العشائر، وغير ذلك من القوى التي ينبغي أن نعمل على منع اندماجهم مع تنظيم الدولة. وفي ظني أن التعامل مع هذه القوى أسهل من التعامل مع التنظيم، وتجاهلها أو الاستمرار في الصراع معها سيكون خطأ كبيرا ومسؤولية تاريخية.

وهل تتوقع فرصا لتحقيق مثل هذه الرؤية؟

نعم من الممكن عزل تنظيم الدولة، فهو يبقى جسما غريبا ومؤذيا للعراق والمنطقة، في حين أن بقية الفصائل والقوى عراقية ذات أهداف واضحة ويمكن التعامل معها برؤية وطنية صادقة، والحل الصحيح عندي هو أولا إيقاف القتال، لأننا نحتاج في هذا الظرف إلى استعادة العقل ومن ثم الجلوس والقبول ببعضنا الآخر، والقبول أيضا بالمستجدات على الأرض، ومن بين ذلك القبول بالتعامل مع من كان عدوا أو خصما بالأمس. والمهم هنا هو عدم "تدعيش" السنة في العراق، بمعنى انه ينبغي الفصل بين سنة العراق وتنظيم الدولة، وهو ما تغفله بعض الأطراف، متناسية أن من طرد القاعدة في عام 2007 وما بعدها كانت العشائر السنية في الأنبار وليس السلطة أو القوات الأميركية.

ماذا عن اتهام حكومة بغداد إقليم كردستان بـ"التآمر" مع تنظيم الدولة للسيطرة على الموصل؟

هي اتهامات مؤسفة تعكس إصرار مطلقيها على تمزيق النسيج الوطني في العراق، ومحاولة تحميل الآخرين مسؤولية الفشل في حماية أمن البلاد ومواجهة الإرهاب. ولو كان الأمر كذلك، فبماذا يفسرون هجمات تنظيم الدولة على القوات الكردية في مناطق مختلفة. لقد قدمنا حتى الآن 54 شهيدا و318 جريحا في مواجهات مع عناصر هذا التنظيم.

لكنكم جزء من حكومة بغداد وهناك قيادات عسكرية كردية وبالتالي فربما تتحملون جزءا من مسؤولية الفشل العسكري.

نعم، نحن رسميا جزء من هيكل الحكومة العراقية، لكن رئيسها نوري المالكي وهو القائد العام للقوات المسلحة بحكم منصبه، احتكر القرار العسكري وقام بتهميش رئيس الأركان وهو كردي، فكيف يمكن السيطرة على الجيش وقيامه بدوره بمهنية مع تهميش رئيس الأركان، فضلا عن عدم وجود وزير للدفاع أو وزير للداخلية طوال فترة الولاية الثانية للمالكي الذي تولى المنصبين. لقد حاولنا القيام بمسؤولياتنا في التحذير من خطورة الوضع الأمني، ورئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني كشف للعالم الخميس الماضي كيف أنه أبلغ المالكي هاتفيا وكتابيا منذ ستة أشهر بخطورة الوضع الأمني في الموصل وفقد الحكومة سيطرتها على المدينة، واستياء الناس هناك من سلوك الشرطة الاتحادية الآتية من خارج الموصل. لكنه تعامل مع التحذير بطريقة غريبة، فبدلا من أن يحقق في الأمر ويدعم قواته هناك، رد على البارزاني بقوله "أبو مسرور اهتم أنت بشؤون كردستان فكل شيء تحت السيطرة في الموصل".

نعود إلى الحديث المفاجئ لرئيس إقليم كردستان بشأن إجراء استفتاء على "حق تقرير المصير"، فهل تعتقدون أن موعد الانفصال عن العراق قد اقترب؟

في جلسة الخميس الماضي للبرلمان الكردستاني طلب البارزاني الإسراع بتشكيل مفوضية للانتخابات، وهذا مشروع قديم عمره نحو أربع سنوات، لكنه تعطل بسبب الخلافات حوله، ونحن نحتاج إليه لأسباب عديدة وليس فقط من أجل استفتاء تقرير المصير. والحقيقة أننا نحتاج أولا للاستفتاء حسب المادة 140، وهي تتضمن مراحل متدرجة تبدأ بالتطبيع ثم الإحصاء فالاستفتاء والتعويض. الآن التطبيع حصل من خلال سيطرة قوات الإقليم على الأراضي المتنازع عليها، وهذا قد لا يرضي البعض. والتعويض نفذ قسم كبير منه، وحتى أكون منصفا أقول إن الأخ المالكي كان له دور كبير في مسألة التعويض، ونسبة المهجرين الذين حصلوا عن تعويض بلغت 60-70 بالمائة، أما الإحصاء والاستفتاء فهو بحاجة لصيغة قانونية ونحن نعرف ذلك.

لكن البارزاني دعا بشكل صريح وواضح لحق تقرير المصير وليس مجرد الاستفتاء حسب المادة 140؟

كلمة الرئيس البارزاني واجهت ردودا انفعالية، مع أنه قال إنه حتى كركوك ستحترم إرادتها إن هي أرادت عدم الانضمام إلى كردستان، وفي تصوري الاستفتاء على تقرير المصير حق لكل الشعوب. لكننا لا نتكلم هنا عن سقف زمني محدد، ولا عن تطبيق فوري لنتيجة الاستفتاء، لكننا نتحدث انطلاقا من خبرة ودفاعا عن حقوق سبعة ملايين كردي بينهم المهجرون في العقود السابقة الذين من حقهم أن يعودوا لمناطقهم وهو حق لا يسقط بالتقادم، كما أن من واجباتنا أيضا تحديد الحدود الجغرافية للإقليم، ونرى أن التقصير الحكومي في الإحصاء السكاني جر علينا مشكلات وادعاءات بالأغلبية لهذا الطرف أو ذاك.

هل نفهم أن الاستفتاء على حق تقرير المصير مؤجل؟

الأمر مرتبط بظروف ذاتية وموضوعية، لو توافرت فإن هذا الانفصال سيحصل يوما ما، وأي كردي يقول إنه ضد الانفصال ليس صادقا مع نفسه ولا مع الآخرين، لكن الأكراد الذين بيدهم القرار عليهم مسؤولية أكثر ممن يصوت بنعم أو لا  وسواء كان التصويت بدراية أو بعاطفة قومية،  لكن من يطبق النتيجة عليه مسؤولية حقيقية، والقيادات الكردية منذ عام 1991 حينما كان العراق في ظروف سيئة جدا اختارت البقاء مع العراق ضمن النظام الاتحادي وشاركنا بوضع الدستور الذي يؤكد في ديباجته أن الالتزام بالدستور ضمان لوحدة العراق، وبتصوري أن العرب مسؤولون عن توفير الأجواء والبيئة كي يشعر الكردي بالأمان والشراكة والتعويض عن الماضي ولا يفكر بالانفصال وهذه مسؤولية تاريخية يجب أن يتصدى لها المثقفون.

الشغل الشاغل في بغداد اليوم هو اختيار رئيس للحكومة، وإصرار المالكي على البقاء لولاية ثالثة، كيف تنظرون لهذا السجال السياسي الحاد، وما موقف الكرد منه؟

العملية السياسية في العراق بحاجة لترتيب، وتشكيل الحكومة الجديدة ينبغي أن يجري بالتوافق مع الأخذ بالمستجدات على الأرض التي حصلت خلال الأسابيع الأخيرة، والقصد إنهاء إهمال السنة، رغم أن جزءا من هذا الإهمال راجع لتشتت السنة أنفسهم. وكي أكون منصفا ينبغي أن أقول إن المالكي ليس مسؤولا لوحده عن ما جرى، فالبرلمان بكل مكوناته، ورئاسة الجمهورية فضلا عن السياسيين، كلهم لم يروضوا أنفسهم بعد عام 2003 على التخلص من العقلية القديمة وطريقة التفكير والإدارة التي كانت سائدة سابقا، فرغم أننا شخصنا المشاكل في النظام السابق فإننا كررنا نفس السلوك حتى هنا لدينا في الإقليم. الكتل البرلمانية دافعت عن وزرائها مما أدى إلى شلل فعالية البرلمان، والمالكي قام بالتفريق بين الكتل ومرر المشاريع معتمدا سياسة فرق تسد وتجاوز صلاحياته الدستورية حتى أوصل الأمور إلى هذا الحال، لكننا مع ذلك لا يمكن أن نضع كل الأخطاء على رأس الرجل.

وكيف تنظر لاستمرار تمسك المالكي بولاية ثالثة، ورفضه حتى ترشيح شخص آخر من كتلته؟

الحقيقة أني تفاجأت بموقفه، فأنا أعرفه معارضا ومجاهدا، وقد عملنا سوية من قبل، فاجأني تشبثه بالحكم الذي طالما انتقدنا وحاربنا بسببه، هذا غريب، والأغرب أن نجعل العراق في دوامة من أجل طموح شخصي، وأتمنى أن يعدل عن هذا الموقف ويبرهن على تمسكه بوحدة العراق، وبدلا من زجه أبناء الناس في الحرب حتى بدون تدريب، أود أن يكون جنديا وفيا يستجيب للرغبات العديدة بتنحيه. أعتقد شخصيا أن تشبث الأخ المالكي بالكرسي غير صحيح، غير أني أعتقد أن جزءا من اللوم يتجه إلى كتلة التحالف الوطني الشيعية التي تستحق المنصب ولم تتمكن من ترشيح شخصية بديلة متفق عليها احتراما لرغبات اغلبية العراقيين، وظني أن السيد عمار الحكيم والسيد مقتدى الصدر وكلاهما لديه مواقف وطنية يمكن أن يضغطا باتجاه إنهاء هذه الأزمة، وهناك أسماء كثيرة داخل المكون الشيعي تصلح أن تتولى المنصب.

وماذا عن حصة الأكراد في العملية السياسية وأقصد منصب رئيس الجمهورية، هل توصلتم لترشيح شخصية معينة؟

اقتربنا من ذلك، ونرى أحقية للاتحاد الوطني الكردستاني في المنصب، ونحن ننتظر أن يقدم مرشحه الذي ينبغي أن يحظى بموافقة رئيس الإقليم والحزب الديمقراطي، وكذلك الأحزاب الكردية الأخرى ومن ثم المكونات الأخرى في العراق، وأعتقد أن هذا على وشك أن يحصل، ومن أبرز المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية برهم صالح وفؤاد معصوم، كما أن أسماء مثل عدنان المفتي ونجم الدين كريم طرحت أيضا، لكن الحسم سيكون قريبا.

في أواسط الشهر الماضي كنت عضوا بوفد زار طهران بشكل مفاجئ برئاسة رئيس وزراء الاقليم السيد نيجيرفان البارزاني، وثارت تكهنات بأن الزيارة مرتبطة بالمعارك في العراق وسيطرة المسلحين على أجزاء واسعة من العراق، ما حقيقة تلك الزيارة فهل هي كذلك وهل طلبت منكم إيران دعم القوات الحكومية عسكريا؟

إيران لها وجود كثيف في العراق سواء كان ظاهرا أو باطنا، والأميركيون أسهموا في هذا الموضوع، إيران طالبت بأن نبعد العراق عن الإرهاب، ونحن نوافق على ذلك، ولكن أيضا كان حرصنا كما أشرت أن نقاوم الإرهاب في إطار توافقية سياسية وفي إطار دعم إقليمي ودولي لأن العراق وحده قد لا يستطيع تأدية هذه المهمة، وللأسف الشديد ما يمتلكه تنظيم الدولة باستثناء الطيران يفوق إمكانيات الجيش العراقي عدة وعددا. والحقيقة أننا لسنا بندقية تحت الطلب، نحن نقاتل من أجل أهداف ووفق إمكانيات، موضوع توازن القوى مهم، وكلما كانت القوى متوازنة كلما ابتعد شبح الحروب. وقد التقى وفدنا بأمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني السيد علي شمخاني الذي عبر عن أسفه لما يحدث في العراق، وكان لديه ملاحظات على الجيش العراقي وعلى الانهيار الذي حصل في الموصل وكركوك وتكريت، وأيضا دعا إلى تماسك العملية السياسية وأكد على وحدة العراق أيضا. وكانت هناك وجهات نظر مشتركة حتى بصدد تشكيل حكومة عراقية.

قبل نحو أسبوعين صدرت عن زعيم مليشيا "عصائب أهل الحق" تهديدات للمصالح الكردية في بغداد، ترافقت مع حملة قوية ضد إقليم كردستان واتهامه بالتواطؤ مع تنظيم الدولة الإسلامية، هل تشعرون أن الأكراد المقيمين في بغداد ومدن الجنوب معرضون للخطر؟

هذا الشخص هدد الأكراد فعلا، وهو معروف بتاريخه وتدحرجه من جيش المهدي إلى إيران ثم السجن ثم إلى المالكي، هناك ضحايا من الأكراد، لكنهم محدودو العدد، وهناك اعتداء على مقراتنا في الكوت وفي ديالى لكن مشكورين الأخوة في المجلس الأعلى جابهوا هذا الاعتداء وأعربوا عن استعدادهم للحماية. وفيما يتعلق بالأكراد القاطنين في بغداد 90% منهم من الأكراد الفيلية وغالبيتهم العظمى من الشيعة، وعدد كبير منهم منتمون لحزب الدعوة والمجلس الأعلى والتيار الصدري، وعموما حكومات كثيرة متعاقبة هددت المصالح الكردية وبعضها نفذ تهديداته، لكن بقي الكرد وسيبقون. نحن لا نهدد أحدا، لكن لنا حق الدفاع عن أنفسنا إذا ما تعرضنا للتهديد. 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة