شركس سوريا.. حنين لأرض الأجداد ووفاء للوطن   
الاثنين 1429/9/30 هـ - الموافق 29/9/2008 م (آخر تحديث) الساعة 0:23 (مكة المكرمة)، 21:23 (غرينتش)
محمد شريف أباظة مبرزا خارطة لأبخازيا (الجزيرة نت)

نغم ناصر-دمشق
 
عندما يتحدث محمد شريف أباظة في بيته بحارة الشركس بدمشق عن أبخازيا تغمره عاطفة وحنين لأرض لم يولد أو يترعرع فيها، لكنه يرتبط بها روحيا ربما لأنها تعني بالأبخازية "بلد الروح".
 
لا يجد أباظة -والاسم تحريف لأبخازيا- أي حرج عندما يقول إنها بلده الأصلي, فهي بعد "جزيل شكره لسوريا" أرض آبائه وأجداده.
 
شعور "الوطن الأول" عاد ليتجدد في الأسبوع الأول من الشهر الماضي عندما قصفت القوات الجورجية تسخينفالي عاصمة أوسيتيا الجنوبية, وردت روسيا باجتياح جورجيا, وأعلنت أبخازيا بعد أيام (مع أوسيتيا الجنوبية) استقلالها بدعم روسي.
 
تعد سوريا إحدى الدول التي احتضنت عددا كبيرا من الشركس الذين استقروا في الجولان ودمشق ومدن أخرى, لكن من الصعب تقدير عددهم بدقة بسبب السياسة التي تتبعها الحكومة السورية في إحصاء السكان منعا لإثارة الحساسيات.
 
وقد اندمج الشركس في مجتمعاتهم الجديدة وأثروا فيها وتأثروا بها، لكن العلاقة بالأرض الأم ظلت قوية, عاطفيا على الأقل, وظلت حروب القوقاز تذكر من حين لآخر من نسوا الوطن منهم.
 
أباظة كان من بين مئات الشركس الذين احتفلوا باستقلال أبخازيا نهاية الشهر الماضي في دمشق (الجزيرة نت)
أبخازيا الحرة
"إنها ساعة ظل الشركس ينتظروها منذ أكثر من مائة عام" يقول أباظة كبير وجهاء الشركس في دمشق إذا صح التعبير, يتحدث عن "تشييد أبخازيا الحرة" بحماسة الشباب حتى لا تكاد تظنه شيخا مقبلا على عقده التاسع.
 
خاض الأبخاز حروبا طويلة ضد روسيا القيصرية, لكنهم وجدوا هذه المرة "نصيرا" ضد جورجيا التي لم تقبل إلا مكرهة استقلالا فعليا تمتعت به هذه المنطقة المطلة على البحر الأسود طيلة 16 عاما, وساهم عدد من شركس سوريا في تحقيقه مطلع تسعينيات القرن الماضي عندما سافروا إلى موطنهم الأصلي ليقاتلوا القوات الجورجية. 
 
وكما قرر جوزيف ستالين قبل نحو 50 عاما إلحاق أبخازيا -التي تمتد على 8400 كلم وتضم نحو 170 ألف ساكن- بجورجيا موطنه, قررت روسيا أن تكون أبخازيا منفصلة عن جورجيا واحتفظت لنفسها بحق التدخل باسم حماية الناطقين بالروسية الذين وزعت عليهم في السنوات الماضية جوازات سفر روسية.
 
"لسنا ممنونين لروسيا بهذا الاعتراف لأنها قامت بذلك بما يراعي مصالحها السياسية"، يقول أباظة الذي توزعت في زوايا بيته أعلام الأبخاز والشركس ومنحوتات ترمز إلى الوطن الأم الذي احتفل مئات الشركس باستقلاله نهاية الشهر الماضي في دمشق.
 
مجرد نظرة إلى عائلة أباظة تظهر التحولات التي مر بها الشركس في المجتمع السوري, فهو يتحدث الأبخازية بطلاقة وحافظ أولاده على الشركسية، لكن الأحفاد نسوها بمجرد دخولهم المدارس السورية.
 
"
قبرطاي:
التخلي عن جنسية سوريا بالنسبة للشركس شيء مستحيل
فهي من احتضنتهم عندما هجّرهم الروس وفي جيشها حاربوا منذ إنشائه, ومعه حققوا انتصارات كبيرة كما الحال مع الكتيبة الشركسية في 1948
"
ضياع اللغة

"لقد انصهرنا تقريبا, فاللغة التي تعد من أهم عوامل الارتباط بالوطن والأرض ضاعت من الجيل الجديد"، يقول الباحث السوري في شؤون القوقاز عدنان قبرطاي صاحب كتب في الموضوع بينها "أوراق شركسية منسية".
 
لكن العودة إلى الوطن الأم تبقى مجرد حلم بالنسبة للشركس يقول قبرطاي, فـ"روسيا تعارض عودتهم وتشترط شرطين أساسين وهما أولا إتقان اللغة الروسية وثانيا التخلي عن جنسيتهم".
 
ويذكر قبرطاي بأن التخلي عن جنسية سوريا بالنسبة للشركس شيء مستحيل فهي من احتضنتهم عندما هجرهم الروس, وفي جيشها حاربوا منذ إنشائه ومعه حققوا انتصارات كبيرة كما الحال مع الكتيبة الشركسية في العام 1948.
 
وفي غياب الوطن المحسوس, يبقى الرمز هو ما يرتبط به الشركس في سوريا, كما حال القلبق (طاقية الرأس الأبخازية) التي يعتمرها أباظة ولا يستطيع نزعها.
 
القبلق لا يجوز خلعها أبدا في المناسبات لأن ذلك ينم عن قلة احترام للحضور، كما أنها لم تعد مجرد لباس فلكلوري فقد أعاد إليها "استقلال" أبخازيا كامل زخمها، حسب أباظة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة