سلفادور دالي من منظور مختلف   
السبت 1433/4/3 هـ - الموافق 25/2/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:22 (مكة المكرمة)، 11:22 (غرينتش)
سلفادور دالي (يمين) وإنريكي ساباتر (الجزيرة)

أنطوان جوكي-باريس

بين عامَي ١٩٦٨و١٩٨١، عمل الصحفي والمصوّر الفوتوغرافي الإسباني إنريكي ساباتر سكرتيرا خاصاً للفنان السريالي الكبير سلفادور دالي. وسمح له هذا الموقع بجمع عشرات الأعمال الفنية التي أنجزها هذا العملاق خلال الفترة المذكورة وأهداه إياها في مناسبات مختلفة امتنانا لخدماته ووفائه.

ولرد هذا الجميل، قرر ساباتر كشف جزء مهم من هذه "الهدايا" في معرض خاص افتُتح في "فضاء دالي" بباريس، ويتألف من لوحات زيتية ورسوم ومائيات ومنحوتات وصور فوتوغرافية وقطع فنية مختلفة يُعرض معظمها للمرة الأولى، كما قدم الرجل شهادته عن الرسام الكبير.

ومثل باقي أعمال الفنان الإسباني الكبير تكشف الأعمال الفنية المعروضة عبقرية دالي (1904-1989) التي ظهرت باكرا باختباره في بداية مساره جميع الأساليب الفنية، ثم بتبنّيه أسلوبا مختلفا بعد اكتشافه الرسم الميتافيزيقي الذي وضع أسسه جورجيو دو كيريكو.

مشهد من مقاطعة أومبوردا الإسبانية كما رسمها دالي (الجزيرة)

الجنون والعبقرية
كان يجب انتظار تعرّف دالي على أندريه بروتون عام ١٩٢٨، وانخراطه في المجموعة السرّيالية كي تتحرر قدراته الإبداعية الخارقة، فيطوّر استكشاف اللاوعي الذي دعا إليه رفاقه، من خلال مواضيع التعفّن العضوي والأشكال المائعة أو الشبحية، ثم يصقل أسلوبه الخاص مرتكزا على منهج "الهذيان التأويلي النقدي" (paranoïa-critique) الذي يمكّن الفنان من "تجسيد الظواهر الهذيانية".

وفي هذا السياق، اعتمد دالي منذ بداية الثلاثينيات على تقنية الصورة المزدوجة التي رافقته طوال حياته، وتقوم على رؤية وتجسيد، داخل صورة بسيطة في ظاهرها، صورة أخرى تشكل ركيزة لبلبلة الواقع ومعنى اللوحة.

أما المعرض الحالي -الذي أقامه ساباتر- فيتوق إلى تبديد بعض الأساطير المتناقلة حوله، كمسألة بخله أو عشقه للمال المبنية على تسمية "Avida Dollars" (الطمّاع بالدولارات) التي أطلقها عليه أندريه بروتون في الثلاثينيات وتبنّاها دالي بشكل تحريضي، بينما الحقيقة، وفقاً لسكرتيره، هي أنه لم يعِر المال أهمية كبيرة بدليل ترك زوجته غالا تهتم بمسألة بيع أعماله، والهبات الفنية القيّمة التي كان يغدق بها على المحيطين به.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى غرابة أطوار دالي وجنون العظمة لديه اللذين لم يكونا -وفقا ساباتر- سوى قناع أو دور كان يؤدّيه داخل المجتمع لتغذية أسطورته، ويخرج منه فور ولوج عالمه الحميمي حيث كان يعيش ببساطة ويتحدّث بلطف وتواضعٍ مع المقرّبين منه ويمضي ساعات طويلة في العمل أو مصغيا إلى النصوص التي كانت تقرؤها غالا له.

ومن ساباتر نعرف أيضا أن دالي كان يبدأ نهاره بإنجاز رسوم إعدادية في السرير ويطلب دائما رأي زوجته. بعد ذلك، كان يتوجه إلى مرسمه للعمل حتى الساعة السادسة مساء، موعد استقبال زوّاره، ومعظمهم من الفنانين الشبان الذين كانوا يأتون لإطلاعه على أعمالهم الأخيرة والاستماع إلى ملاحظاته.

وحول طريقة عمل دالي، يقول ساباتر: "أي ركيزة كانت تصلح لإشباع نزعته إلى الخلق والابتكار: قطعة خشب مرمية، قصاصات ورق، أغلفة الكتب والمجلات، القماش، علاوة على رسمه شخصيات لوحاته وفقا لموديل حيّ".

 إحدى اللوحات التي أهداها دالي لساباتر (الجزيرة)

جوانب إنسانية
وخلال اثني عشر عاما، التقط ساباتر لدالي ٢٤ ألف صورة فوتوغرافية، أي بمعدّل صورة كل ثلاث ساعات! وتكشف هذه "الكليشيهات"، التي نشاهد في المعرض مختارات منها، الجوانب الحميمة والمأنوسة من حياة دالي، ولكن أيضا طُرُق عمله في الرسم أو النحت وحسّه الاستعراضي، وبالتالي تشكّل أفضل بورتريه للفنان وواقعه اليومي، كما تعكس عمق الروابط التي جمعته بسكرتيره.

وفعلاً، لم يكن ساباتر مجرّد سكرتير لدالي بل كان صديقه الحميم قبل أي شيء. ومن هذا المنطلق فقط قبِلَ أن يكون معاونه، وأيضا مستشاره ومحاسبه وملحقه الإعلامي ومرافقه وأحيانا سائق سيارته، قَرابةٌ تمنح شهادته عن حياة الفنان وشخصيته كل أهميتها.

أما اللوحات والرسوم التي وهبها دالي لساباتر فيبدو فيها حضور ثابت لسماء صافية تعبرها سنونوات أو أغصان زيتون أو ملائكة، ضمن أسلوب فريد يجمع بين الإيروسي والصوفي أو الميتافيزيقي.

ولعل أجمل هذه الأعمال هو عقد الساعات المائعة الذي رسمه الفنان لصديقه، كما لو أنه أراد أن يقول له بواسطته إن الزمن لن يُتلف أبدا صداقتهما، أو اللوحة المائية التي نشاهد فيها رجلا يلاحق امرأةً بحثاً عن الحب، أو التصاميم التي وضعها لمشروع تشييد منزلٍ لساباتر قرب منزله وتتضمن رسوما تظهر فيها مكتبة دائرية، ومغسلة تعلوها مظلّة، ومرحاض منبثق من فم دلفين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة