كلمة مخرج حلقة "علاج بطعم الدم"   
الثلاثاء 12/8/1435 هـ - الموافق 10/6/2014 م (آخر تحديث) الساعة 19:59 (مكة المكرمة)، 16:59 (غرينتش)

في ربيع عام 2011، كانت الزيارة الأولى لي إلى فلسطين بهدف تصوير فيلم وثائقي عن الحواجز العسكرية التي تقيمها إسرائيل لتقييد حرية الفلسطينيين. كانت مهمتنا تستدعي التنقل بين هذه الحواجز واتباع كل الإجراءات التي يمر بها الفلسطيني للعبور من منطقة إلى أخرى.

من هنا نشأت فكرة صناعة فيلم آخر يختص بموضوع العلاج حيث يضطر الكثير من الفلسطينيين إلى استصدار تصاريح خاصة بهدف العلاج داخل إسرائيل. كانت صدمتنا حقيقة أن لا أحد مستثناً من هذه الإجراءات ومن هذا التضييق كالمسنين المصابين بالسرطان أو الأطفال الذين قد لا يقوون على المشي.

كان لافتا جدا منظر تلك الطفلة على كتف والدها بحالة أشبه بالإغماء ووالدها يحاول المرور بها عبر محطات التفتيش الأمنية الدقيقة التي تتم على مهل بما لا يتناسب مع حالة الفتاة الصحية، وكان مستفزا لأي صانع أفلام أن يبحث عن أبعاد القضية ويتقصى حولها.

توسعنا ببحث القضية فيما بعد، وفي تقصي أبعاد ملف العلاج في الأراضي الفلسطينية، لنجد أن الأمر أعقد بكثير من إجراءات روتينية قد تمتد أشهرا أو مجرد عبور صعب للحواجز، وارتأينا أن تكون معالجتنا للفيلم قصصية إنسانية بالدرجة الأولى لكن غير بكائية تدعمها علمية منهجية تنطق فيها الأرقام والإحصائيات بالحقائق وعلى لسان مسؤولين من أطراف عدة (فلسطينية وإسرائيلية وحقوقية).

كأي فيلم واجهتنا بعض المشاكل الإنتاجية، لكن ما واجهناه (كفريق عمل) في هذا الفيلم قصة أخرى بدأت من منعنا من دخول إسرائيل أو الأراضي الفلسطينية وقتا طويلا، إلى رفض المسؤولين الإسرائيليين الحديث حول هذا الموضوع لكونه يتعلق بالنواحي العسكرية والأمنية، وليس انتهاء بعرقلة التصوير بالقرب من الحواجز العسكرية أو تراجع بعض أبطال قصصنا عن الحديث معنا مخافة أن تعاقبهم إسرائيل بمنع العلاج عنهم وتركهم يواجهون مصيرهم. وكان الحل في ابتداع معالجات بديلة طوال الوقت بهدف توخي المهنية ونقل الحقيقة للمشاهد دون تزييف واستخفاف بعقله.

طوال ثمانية أشهر، وهي مدة عملنا على هذا الفيلم، تواصلنا فيها مع أبطال القصة، لن ننسى تلك السيدة العجوز في الخليل التي تبعد عن طبيبها مسافة أقل من 500 متر لكنها تحتاج إلى ما يربو عن الساعتين للوصول إلى عيادته بسبب الحواجز العسكرية بالشكل الذي يهدد حياتها. ولن ننسى أيضا ذلك الشاب في غزة الذي ما زال يعاني حتى اليوم من مرضه لرفضه التعاون مع (الشاباك) الإسرائيلي لقاء علاجه، ولا مشهد سيارات الإسعاف المدمرة جراء استهداف إسرائيل لها أثناء العدوان على غزة.

وبالتأكيد ستعلق في الذاكرة دائما قصة الشهيد بلال غانم شاهدا على جريمة كبرى قامت خلالها  إسرائيل بسرقة أعضائه بعد تسليمه جثة مشوهة إلى أهله.

كل هذه القصص مما عايشنا وصورنا، ما قدمناه وما تجنبنا اعتماده في الفيلم لبشاعة الأحداث، تثبت ما أردنا إيصاله للمشاهد، من أن إسرائيل كانت ولا تزال تمنع  ترياق الحياة عن الفلسطينيين، إلا بشق الأنفس، بعد أن يذوقوا مرارة الألم ويصافحوا الموت عن قرب. إنهم يعالجون، لكن علاجهم دوما ما يكون بطعم الدم، بل هو بطعم الموت.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة