خدوسي: المدرسة ميدان صراع على هوية الجزائريين   
الأحد 1437/12/24 هـ - الموافق 25/9/2016 م (آخر تحديث) الساعة 13:30 (مكة المكرمة)، 10:30 (غرينتش)
حاوره/ مصطفى فرحات

الأستاذ رابح خدوسي معلم وكاتب جزائري شارك في لجنة إصلاح مناهج التعليم التي نصبها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في مايو/أيار عام 2000، وأثارت كثيرا من الجدل في الساحتين السياسية والتربوية.

شهد بعض فصول الصراع داخل اللجنة والتجاذبات التي حصلت بين أفرادها، وخلص إلى أن ما يحدث في قطاع التربية هو صراع بين هويتين وبين حضارتين.

وانتقد خدوسي في حواره مع "الجزيرة نت" الطريقة التي تتعامل بها وزارة التربية في قضية تطبيق الإصلاحات، إذ يرى أنها تحاول فرض ثقافة ترتبط بفرنسا، في حين أن الإصلاحات ينبغي أن تنطلق من عمق ثقافة المجتمع وهويته.

  كيف تقرأ ما يحدث اليوم من جدل بشأن إصلاح مناهج التعليم وسياسات وزارة التربية؟

هو صراع قديم جديد بين ضفتين وحضارتين وهويتين مختلفتين، بين أحفاد ابن باديس وأتباع الكاردينال لافيجري، الاحتلال الفرنسي الاستيطاني جاء سنة 1830م بجيش جرّار وشرع في إبادة الجزائريين، كما جاء بجيش من المبشرين وعلى رأسهم الكاردينال لافيجري، محاولا طمس الهوية الجزائرية باستهداف لغتها وتراثها ودينها، فحارب التعليم بالعربية بحرق الجوامع والزوايا وتحويل بعضها إلى إسطبلات للخيول، لولا ظهور جمعية العلماء المسلمين سنة 1931م بمدارسها الحرة التي انتشرت عبر أنحاء الوطن تعلّم العربية وتبث الوعي الوطني والديني لدى الجزائريين، في مقابل المدراس الفرنسية.

بعد الاستقلال، سارت الدولة الوطنية على منوال المدرسة القديمة برؤية وطنية، وبقيت المدارس الحرة مفتوحة إضافة إلى التعليم الأصلي الذي كان تابعا لوزارة الشؤون الدينية قبل أن يلغى في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين.

الصراع بشأن المدرسة الجزائرية هو صراع قديم متجدد بين ضفتين وحضارتين وهويتين مختلفتين، بين أحفاد ابن باديس وأتباع الكاردينال لافيجري

الدولة الجزائرية أنجزت في ميدان التربية والتعليم أشياء كثيرة ومهمة بينها ديمقراطية التعليم، إذ أصبح للجميع الحق في التمدرس، وكذا مجانية التعليم وإجباريته إلى غاية سن السادسة عشر، وهذا بموجب أمرية 16 أبريل/نيسان 1976 التي تنص على المدرسة الأساسية، وهذا في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين الذي غادر الحياة وقنبلة الازدواجية اللغوية قائمة.

 هل هذا يعني أن ما يحدث اليوم من جدل بشأن إصلاح مناهج التعليم يرجع إلى صراع حول هوية المجتمع؟

الجزائر مفتاح إفريقيا وجوهرتها الثمينة التي أسالت وتسيل لعاب الغرب بجمالها وخيراتها وثرواتها، فطبيعي أن الاستعمار لن ينساها ولن يسكت عنها وهو الذي خرج من الباب مدحورا ويريد العودة من النافذة، لكنه خرج من الحقول ولم يخرج من العقول، وهو يفكر في إبقاء الهيمنة على المدرسة الجزائرية كما يفعل في الاقتصاد والإدارة، بواسطة أشخاص أجسادهم في الجزائر وعقولهم تابعة لما وراء البحر.

كتاب ألفه رابح خدوسي عن إصلاح المنظومة التربوية في الجزائر (الجزيرة)

ما يحدث حاليا يدخل في إطار التجاذبات حول مضامين المناهج التربوية تحت غطاء ما يسمى "الإصلاح التربوي"، من الناحية الشكلية يعتبر ذلك أمرا طبيعيا وظاهرة صحية، لكن في خضم العولمة والغزو الثقافي ومحاولات فرض لغة ما هيمنتها تتأكد المخاوف، لأن المدرسة تعتبر القلعة الإستراتيجية لمستقبل الجزائر، ورهان الطرف التغريبي على فَرْنسة المدرسة لايزال قائما، وهذا ما يحذر منه الوطنيون الذين يرون في المدرسة (غرناطة) اللغة العربية أمام الردّة الملحوظة في الإدارة والإعلام ولهجة الشارع.

 سبق وأن شاركتم في لجنة إصلاح لمناهج التعليم بدأت أعمالها منذ عام 2000 وأسالت كثيرا من الحبر، كيف تصف ما كان يحدث داخلها من تجاذبات؟

عندما شرع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في تنصيب ورشات الإصلاح كإصلاح الدولة والعدالة والتربية، نصّب اللجنة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية في 13 مايو/أيار 2000، وقدّم لكل عضو رسالة مهمة تحدد الأطر العامة التي ينبغي أن تسير عليها اللجنة.

طلب الرئيس تشخيص إيجابيات المنظومة التربوية وسلبياتها، والعمل على اقتراح ما من شأنه المساهمة في تنشئة جيل واع يتكيف مع العالم المتسارع من حوله، وكذا الحد من ظاهرة التسرب المدرسي، والعمل على دمج الآليات التربوية الحديثة في المنظومة التعليمية.

المدرسة الجزائرية في حاجة إلى التفكير بعقلانية وبطريقة علمية، حيث تعد المناهج بعقلانية وتسيّر المدارس بطريقة عصرية، ما نحتاجه هو عقلنة في التدبير، وعصرنة في التسيير، وإبداع في التفكير

لكن هذه الوثيقة لم تُحترم، فمع اجتماعات اللجنة بدأ التوجه إلى فرض أفكار تغريبية والمطالبة بفَرْنسة لغة التعليم، وإعطاء الأولوية للغة الفرنسية على حساب الإنجليزية، والتضييق على التربية الإسلامية، ومع احتدام الخلاف داخل اللجنة رُفع إلى رئيس الجمهورية تقريران بدل تقرير واحد، حيث يعبّر كل تقرير عن رؤية جهة داخل اللجنة.

ومع الأسف ارتأت السلطات العليا تطبيق ما ورد في التقرير الذي حررته الجهة التي تحمل الأفكار التغريبية، وللتاريخ أقول إن التقرير يحتوي على اقتراحات كثيرة إيجابية.

 ما هي التحديات الحقيقية التي تواجهها المدرسة الجزائرية؟

حسب تقديري، فإن الجدل عقيم ولا يفيد المدرسة الجزائرية التي هي بحاجة إلى إخراجها من غيبوبتها وتخلفها، المدرسة الجزائرية في حاجة إلى التفكير بعقلانية وبطريقة علمية، حيث تعد المناهج بعقلانية وتسيّر المدارس بطريقة عصرية، ما نحتاجه هو عقلنة في التدبير، وعصرنة في التسيير، وإبداع في التفكير، وهذا ما يدفع بالمدرسة قدما للأمام.

نحتاج أيضا إلى إنعاش البحث التربوي العلمي والتكنولوجي، وهو أهم شيء لحياة المدرسة، كالدورة الدموية في الجسم البشري، لكنه مغيّب حاليا، كما نحتاج إلى إعادة الاعتبار للطفولة وقدراتها الإبداعية، مدارسنا الآن تعادي العقل وتخاصم الفطرة الإنسانية. التعليم في الوطن العربي يحتاج الى نهضة علمية وثورة فكرية.

بقي أن نشير إلى أن الفشل المدرسي يعود أيضا إلى الفشل التربوي الأسري، حيث أن ما تقدمه المدرسة للطفل من مكتسبات يضيع في فضاء المجتمع، بل تساهم الأسرة والشارع في تهديم لغته وذوقه والقيم الجمالية التي تعلمها، إذ يجد قيما وأفكارا أخرى مناقضة، وبالتالي تضيع جهود المربين والأموال الضخمة المرصودة للتربية.

 كيف يمكن تجاوز الاستقطاب الحاد لإبعاد المدرسة عن لعبة السياسة حتى لا يكون التلاميذ ضحايا هذه التجاذبات؟

على كل وزير الالتزام بالصلاحيات القانونية المخولة له التي حددتها مواثيق الدولة الجزائرية وعدم تجاوزها لمحاولة المساس بالهوية وقيم المجتمع، وبالتالي يفرّغ وقته للتسيير والإصلاح التربوي العلمي والتكنولوجي ولا يدخل في دوامة الصراع الأيديولوجي والسياسي.

على كل وزير الالتزام بالصلاحيات القانونية المخولة له التي حددتها مواثيق الدولة الجزائرية وعدم تجاوزها لمحاولة المساس بالهوية وقيم المجتمع

كما أن تنصيب المجلس الأعلى للتربية من شأنه أن يضع الأرضية التي تجمع الأطياف المختلفة، وهو هيئة عليا تشرف وتوجه قطاع التربية علميا، وبالخبراء يتحقق الأفضل للمنظومة التعليمية والتربوية، بعيدا عن كل التجاذبات السياسية أو الأيديولوجية، وبعيدا عن أخطاء الوزراء الذين يعتمدون على مجموعة من الأشخاص الإداريين المحيطين بهم دون استشارة الخبراء لأنهم يعتبرونهم خصوما لهم.

ومن الملاحظ أن السلطة ترتكب أحيانا أخطاء في تعيين الوزراء لأنها تأتي بهم من خارج القطاع الذي يُستوزرون فيه، فتولي أساتذة التعليم العالي على قطاع يجهلونه، أقصد التعليم الابتدائي والمتوسط والثانوي، مما يدفع هؤلاء الوزراء الوافدين إلى اكتشاف قطاع التعليم بالمحاولة والخطأ والصواب، وهذا يجعل المسؤول عن هذا القطاع يهدم في سنته الأولى أكثر مما يصلح وفي الأخير يفشل ويغادر الوزارة، لأن قطاع التربية متشابك ومعقد ومن لم يكن من أبنائه سيقضي وقتا طويلا لفهم آلياته وطرق تسييره، وهذا يدفع المسؤولين إلى التصادم مع المحيط التربوي، سواء النقابات أو المعلمون أو المفتشون التربويون.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة