تقاليد وعادات اجتماعية تميز عاشوراء العراقي   
الجمعة 1427/1/12 هـ - الموافق 10/2/2006 م (آخر تحديث) الساعة 0:40 (مكة المكرمة)، 21:40 (غرينتش)
مواكب العزاء تدفقت إلى كربلاء من مختلف مدن العراق والدول المجاورة خاصة إيران (الفرنسية)
 
تمتاز الشعائر التي يمارسها شيعة العراق في شهري محرم وصفر بطقوس وعادات اجتماعية متوارثة ترافق الأجواء الدينية المسيطرة على مشاهد إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي في واقعة الطف في القرن السابع الميلادي.
 
وتميز هذه الطقوس طريقة استذكار الشيعة العراقيين للمناسبة، فمواكب العزاء و"القرايات" التي ينظمها الرجال تختلف عن القرايات التي تنظمها النساء. كما تختلف المحاضرات الدينية التي يقدمها أئمة المساجد عن تلك التي تقدمها "الملاية" في مجلس عزاء السيدات. كما يمارس العراقيون طقوسا اجتماعية ويعدون أطعمة تميز قدسية هذين الشهرين لديهم.
 
ورفع الشيعة في احتفالات هذا العام للمرة الثانية العلم العراقي مع الأعلام السوداء والخضراء التي ترمز لواقعة الطف التي استشهد فيها الإمام الحسين بن علي -رضي الله عنهما-.
 
وشهد هذا العام قيام "موكب العباسية" -منطقة في كربلاء- بترديد هتافات مناهضة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وزعيمه عبد العزيز الحكيم ولقناة الفرات التابعة للحكيم. كما حمل شباب الموكب إيران مسؤولية ما يحدث في العراق من انقسامات واغتيالات وطالبوا بخروجها من البلاد.
 
وقال مصدر صحفي للجزيرة نت إن سدنة الروضتين الحسينية والعباسية منعوا في البداية الموكب من دخول منطقة وسط كربلاء وطالبوه بإنزال جميع اللافتات المنددة بالحكيم وإيران, لكن قادة الموكب رفضوا وسمح لهم أخيرا بالدخول بعد نشوب مشاحنات بين الفريقين كادت تتحول إلى مشكلة كبيرة.
 
الطبخ وتوزيع الطعام على زوار كربلاء يعتبره أهالي المدينة واجبا دينيا (ألفرنسية)
عزاء الرجال
استذكار الرجال لأحداث عاشوراء ينقسم بين تسيير مواكب العزاء وإقامة القرايات في القاعات والمساجد والحسينيات. وتمتاز المواكب بممارسات تختلف عن تلك التي تمارس في القاعات, فيما تتخلل "الردات الحسينية" واللطم كليهما.
 
وانقسمت مواكب الرجال هذا العام بين ثلاث جماعات أساسية، هي مواكب أنصار آية الله علي السيستاني ومواكب الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر ومواكب أنصار محمد صادق الشيرازي المقيم في طهران.
 
وبدأت مواكب عزاء الرجال تخرج منذ السابع من شهر محرم. ويخصص اليوم السابع للإمام العباس والثامن للإمام القاسم والتاسع لـ"عبد الله الطفل" ويقصد به مقتل عبد الله بن الحسين نجل الإمام الشهيد. وتبلغ الاحتفالات ذروتها في اليوم العاشر المعروف محليا بالـ"طَبق", (ويشبه لفظ حرف g بالإنجليزية).
 
وتقول المراجع التاريخية إن جميع أنصار الإمام الحسين استشهدوا في اليوم العاشر من موقعة الطف في كربلاء في مثل هذا اليوم من العام الـ61 للهجرة (680 ميلادية). ولم يمت في المعركة ابن الحسين الإمام زين العابدين لأنه كان مريضا، وأخوه -غير الشقيق- محمد بن الحنفية الذي غاب عن المعركة.
 
وكانت حكومة الرئيس العراقي السابق صدام حسين تمنع مظاهر العنف المرافقة لاحتفالات عاشوراء مثل جلد الجسد و"التطبير" (ضرب الجسد والرأس بالخناجر والسيوف حتى خروج الدم). واضطر الشيعة إبان حكم صدام للاحتفال سرا بعاشوراء الذي يتزامن مع صوم السنة بذكرى نجاة نبي الله موسى (عليه السلام) من فرعون.
 
ولعل أهم ما يميز احتفالات الرجال بيوم الطَبُق "التشابيه" وهي إعادة تمثيل لمشاهد استشهاد آل رسول الله. وتقام التشابيه عادة قرب أضرحة الأئمة في بغداد والنجف وكربلاء. وترافق التشابيه مواكب العزاء التي يديرها مقرئون وقارعو طبول, ويضرب بعض المشاركين ظهورهم بالـ"زنجيل" (وهو عصا في آخرها سلاسل حديدة قصيرة).
 
ويدير قرايات الرجال راو يحكي قصة استشهاد الحسين على شكل تراتيل حزينة وتختتم باللطم بقوة على الصدور مع وعد بإقامة قراية ثانية للحسين في العام المقبل. وتتواصل القرايات طيلة محرم وصفر وتخصص المحاضرة اليومية لمواضيع إما خاصة بالمحتفى به في ذكرى استشهاده, أو موضوعات عامة من قبيل تفسير القرآن والحض على وحدة المسلمين وتقوى الله.
 
عزاء النساء يختلف عن الرجال في المضمون (الفرنسية)
عزاء النساء
عزاء النساء يختلف في المضمون عن عزاء الرجال، لكنه في الشكل لا يختلف كثيرا عن الرجال خلا التطبير وضرب الزنجيل. وتدير جلسة عزاء النساء راوية يطلق عليها "الملاية", تقوم بسرد قصة استشهاد الحسين والمعاناة التي واجهتها نساء بيت النبوة إبان وبعد الموقعة.
 
وينعكس الظلم الذي تتعرض له المرأة في المجتمع على جميع موضوعات القصائد التي تتلوها الملاية في "قراية النسوان". وتذكر هذه المجالس النسوة الحضور بأعزاء فارقوا عالمهم أو بالجور الذي يتعرضن له في حياتهن فيبكين حالهن ويشبهن حاضرهن بأمس نساء بيت النبوة وأسرة الحسين.
 
وتقدم في القرايات وجبات خاصة تطبخ كل واحدة منها لمناسبة معينة. فطبق "زردة وحليب" وهو حلوى تصنع من الأرز يقدم في يوم استشهاد العباس أو كنذر تجلبه معهن الضيفات اللائي يحضرن "قراية النسوان" ممن تحقق "مرادهن" من قراية العام الماضي.
 
الطبق الآخر وهو شوربة الإمام زين العابدين -بقول مطهوة بشكل شبه مهروس- يقدم يوم وفاة الإمام ويرمز إلى أن الإمام لم يقاتل بسبب مرضه. أما طبق "شله كلنكار" وهو مجموعة من البقول والحبوب تطبخ مع اللحم فيقدم في ذكرى استشهاد الإمام الحسن. أما أكثر الأكلات شعبية فهي "القيمة وتمن" وهي مرقة تصنع من لحم الذبائح التي تنحر في عاشوراء مع الحمص وتؤكل مع الأرز.
 
والطبق الذي لا يقل شهرة عن القيمة والتمن في العراق هو "الهريسة", وتطبخ من لحم الذبائح والحنطة, وتوزع في العادة صباحا. وتعمل الأسرة التي تنذر طهي الهريسة طوال الليل نظرا للعناء الذي يتطلبه طبخها. وتؤكل الهريسة صباحا بإضافة السكر و"الدارسين" أي القرفة.
 
ومن المعتقدات الطريفة التي تمارس في بعض القرايات وتجزم النسوة بتحققها "عروس القاسم". وهي فتاة بكر فاتها قطار الزواج, تنذر أن ترتدي حلة خضراء عند حضور القراية لتكون رمزا لعروس الإمام القاسم الذي استشهد يوم زفافه. وتعتقد النسوة أن الفتاة التي تختار أن تكون عروسا للقاسم تتزوج بالتأكيد قبل حلول موعد قراية العام القادم, بإذن الله.



_______________
الجزيرة نت
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة