السودان يطوي حرب الجنوب وينتظره الغرب والشرق   
الأربعاء 1425/12/2 هـ - الموافق 12/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 23:46 (مكة المكرمة)، 20:46 (غرينتش)

تحديات كبيرة تواجه الحكومة والحركة الشعبية في تطبيق اتفاق السلام السوداني (الفرنسية)

عبد الله آدم

يطوي السودان اليوم أطول حرب أهلية في القارة الأفريقية من خلال توقيع الحكومة السودانية ومتمردي الجيش الشعبي لتحرير السودان على اتفاق سلام شامل، يتوقع أن يغير خريطة البلاد السياسية على الأقل في السنوات الست القادمة التي سيتحدد بعدها مصير الجنوب إما بالبقاء ضمن سودان موحد وإما بالانفصال.

وبقدر ما تعد الاتفاقية انتصارا سياسيا للحكومة السودانية بعد فشل الحكومات السابقة في معالجة ملف الجنوب، فهي تعني أيضا الكثير لقائد الحركة الشعبية جون قرنق على المستوى الشخصي، إذ ستحوله من قائد حرب عصابات إلى رجل دولة، كما ستحول حركته من مليشيا مسلحة إلى حركة سياسية وإن كانت قد احتفظت بقواتها العسكرية المقدرة بنحو 200 ألف رجل لتكون ضمانة لتنفيذ الاتفاق حسب رؤية قرنق.

وبموجب الاتفاق سيخضع جنوبي السودان بشكل كبير لسلطة الحركة الشعبية التي تنافسها العديد من الفصائل والقيادات الجنوبية المستقلة، وهي تتهم قرنق مثلما تفعل أجنحة داخل حركته بأنه دكتاتور يدير الحركة بقبضة حديدية وأن مجلس التحرير المؤلف من 183 عضوا (برلمان الحركة) ويتخذ من رومبيك بأقصى الجنوب مقرا له لم يكن له سوى تأثير ضعيف على قرارات زعيمها ابن قبيلة الدينكا كبرى القبائل داخل الحركة الشعبية.

لكن قرنق يعد منتقديه بشفافية ومشاركة الجميع في صنع القرار في حين سيكون هو شخصيا وسيط سلام في حلحلة مشكلات أخرى تواجه السودان في الغرب والشرق ومحذرا في نفس الوقت من أن عدم تطبيق الاتفاق يعني تفكيك السودان.

ويواجه طرفا الاتفاق العديد من التحديات السياسية أولها أن القوى السياسية الشمالية المنضوية تحت ما يسمى التجمع الوطني الديمقراطي المعارض بالخارج بزعامة محمد عثمان الميرغني تعتبر نفسها خارج إطاره لأنها لم تشارك في المفاوضات، ورغم ترحيبها بالاتفاق فهي على ما يبدو لن تكون متحمسة للانخراط في المؤسسات المنبثقة عنه.

ويمنح الاتفاق الأحزاب الشمالية داخل وخارج التجمع 14% من قسمة السلطة بينما تتقاسم الحكومة والحركة النسبة الباقية وهو ما تعتبره أحزاب مثل الأمة بزعامة الصادق المهدي والاتحادي الديمقراطي بقيادة الميرغني تقليلا من رصيدها وحجمها السياسي في الساحة السودانية، بيد أن طرفي الاتفاق يؤكدان أن الانتخابات التي ستجرى بعد ثلاث سنوات برقابة دولية ستكون الحاسم الوحيد في تحديد معالم المعادلة السياسية.

وستكشف مدى قومية لجنة إعداد الدستور الانتقالي والتزامها بالمدى المحدد لانجازه -وهي شهران- بأن الاتفاق اجتاز أول اختبار، إذ سيعقب ذلك أداء قرنق اليمين الدستوري نائبا أول لرئيس الجمهورية في حين يتولى علي عثمان شريكه في المفاوضات منصب النائب الثاني وتؤول له قيادة الجيش في حالة غياب الرئيس البشير الذي سيظل حاكما على مدى السنوات الست الانتقالية.

دارفور تعتبر العقبة القوية في وجه الاتفاق (الفرنسية)

لكن مشكلة إقليم دارفور تظل أكبر تحد للاتفاق وإن كان نزاع آخر في الشرق قد يعكر هو الآخر صفو السلام حيث تشن مليشيات تسمى الأسود الحرة هجمات متقطعة على الحدود مع إريتريا وتتوعد بتصعيد القتال ضد حكومة الخرطوم. 

فالحرب في إقليم دارفور لا تزال مشتعلة وتشتد ضراوة وتعقيدا كل يوم. وتتهم الحكومة حزب المؤتمر الشعبي بزعامة حليفها السابق د.حسن الترابي بالوقوف وراء حركة العدل والمساواة، كما تتهم شريكها الجديد قرنق بدعم الجماعة الأخرى وهي حركة تحرير السودان.

وقد وعد قرنق بالمساعدة في إخماد حريق دارفور ويبدو أنه سيسعى في ذلك حتى يظهر لأنصاره والمتشككين في نواياه الحقيقية من وحدة السودان بأنه جالب السلام ليس فقط لأبناء جلدته الجنوبيين وإنما لعموم السودانيين.

كما يأمل قرنق -حسب ما يرى مراقبون- أن يساعده دوره الجديد في تسوية هذه الخلافات من خلق أغلبية يواجه بها الحكومة التي احتفظت بتطبيق الشريعة بالشمال، تمكنه في نهاية المطاف من بناء سودان جديد قائم على العلمانية طالما ظل حلما يراوده منذ 22 عاما.

الثابت في عملية السلام بالسودان أن الشعب السوداني ينظر إليها بارتياح كبير لعلها تضع حدا لمعاناته منذ الاستقلال عام 1956 بغض النظر عن من سيتمكن من حكم البلاد بعد الانتخابات العامة، وبغض النظر أيضا عن ما تفضي إليه نتيجة استفتاء جنوبي السودان بالوحدة أو الانفصال.



____________
الجزيرة نت

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة