رمضان مصر عام 1906 بعيون لوفيغارو   
الأربعاء 1439/9/2 هـ - الموافق 16/5/2018 م (آخر تحديث) الساعة 10:53 (مكة المكرمة)، 7:53 (غرينتش)
قبل بضع سنوات لم يكن أحد في مصر يجرؤ على الأكل أو الشرب أو التدخين جهارا خلال نهار رمضان خشية التعرض لخمسين جلدة بالسوط.
 
هذا ما جاء في تقرير نشرته صحيفة لوفيغارو الفرنسية في أول ديسمبر/كانون الأول عام 1906 وصفت فيه كاتبتها جان بيوش المعروفة بجيهان ديفري رمضان وأجواءه في مصر.
 
في البداية عرفت الكاتبة رمضان بأنه شهر الصيام، الذي يجب على كل مسلم صادق مع نفسه أن يمسك خلال نهاره عن جميع المفطرات من طعام وشراب وتدخين، وذلك من الفجر إلى غروب الشمس.
 
بعدها استطردت الكاتبة في ما يميز هذا الشهر عن غيره في مصر قائلة إن رمضان يمثل فرصة سانحة للدعوات المتبادلة داخل العائلات، مما يحول الإفطار في بعض الأحيان إلى ولائم كبيرة، لكنها، سواء التركية منها أو المصرية، خالية كليا من جميع أنواع المشروبات الكحولية التي تختفي خلال نهار وليل هذا الشهر.
 
الأثرياء والفلاحون
ففي العائلات الثرية، يتحول شهر الصيام إلى فترة ابتهاج، إذ يستيقظ الأغنياء وقت الظهيرة فيستمتعون بفترة من الحمام والتدليك ثم يرتاحون لساعة أو ساعتين على أرائك مريحة وقد يتمشون قليلا قبل أن يعلن مدفع الإفطار ساعة الإفطار ليبدأ بعد ذلك سهر حتى الصباح تضاء فيه الشوارع بفوانيس يتبختر بها خدام يرتدون ثياباً طويلة وعمائم تقليدية يفسحون الطريق أمام أسيادهم ذوي المعاطف الفاخرة والطرابيش الحمراء الجميلة، فيلتقي الأسياد ويتبادلون أطراف الحديث والنكت لترتفع بعد ذلك أصوات الضحكات.
 
ولا يقتصر جو رمضان المرح على الرجال، بل إن النساء كذلك ترتدين فساتين ساطعة وتتجمعن لدى إحداهن تتبادلن أطراف الحديث وهن تستمتعن بما لذ وطاب من أطباق الحلويات والكعك واللوز والفستق والفواكه المجففة بجميع أنواعها وأكواب الشاي والعصائر وضحكات البهجة تتخلل أحاديثهن.
 
أما الأطفال، ففرحتهم لا تضاهى حين يؤمرون بالصوم، إذ إن ذلك يعني بالنسبة لهم الحصول على الحق في السهر، وهو ما يفتح أمامهم آفاقا جديدة من الحرية.
 
حتى العمال يكونون أكثر سعادة خلال هذا الشهر، إذ إن أرباب العمل المطبقين للتعاليم الإسلامية بصرامة يكونون متسامحين معهم خلال هذا الشهر، فالمتاجر تفتح في وقت متأخر وتغلق في وقت مبكر، وفي كل مكان تقريبا يُسمح بالقيلولة. أما الإدارات والوزارات الرئيسية، فإن فيها ما يشبه الشلل التام خلال رمضان، إنه الكسل اللذيذ، المتغاضى عنه في أعلى المستويات، وربما لا يشقى في هذا الشهر ويتعب أحد مثل الفلاح، وذلك لطبيعة عمله التي تفرض عليه النوم مبكرا بالتزامن مع نوم دجاجه والاستيقاظ مبكرا لحراثة أرضه.
صلاة العيد في الإسكندرية (ناشطون)

العيد
وفي نهاية شهر رمضان يكون عيد الفطر الذي تترقبه النساء بشغف أكثر من الرجال، إذ من عادة القوم في هذا البلد أن يقدموا لزوجاتهم هدايا، ناهيك عن توفير ملابس جديدة لكل أفراد العائلة.

والعيد في مصر والمغرب وتونس وقت للسعادة ترتسم فيه الابتسامات على جميع الشفاه، إنه مشهد رائع وممتع، إذ تمتلئ شوارع الدول الإسلامية بجموع من الناس لبسوا كلهم لباسا جديدا بكل الألوان، حيث الفساتين المخملية الخضراء والسروايل الحريرية البرتقالية أو الحمراء،  وتبدو الفتيات الصغار في أبهى حللهن وقد خضبن أصابيعهن بالحناء.

وهذا هو لعمري الجانب الجميل لهذا الدين ولهذا البلد الاستثنائي، حيث يبدو أن الشمس وهي تحرق الجباه تدفئ القلوب، فهنا أكثر من أي بلد آخر، العيد يغمر الجميع ولكل أحد فيه، مهما كان بائسا،  نصيبه من الفرح، على حد تعبيبر الكاتبة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة