منى حاطوم.. شهادات تشكيلية لأزمات العالم   
الثلاثاء 1436/9/14 هـ - الموافق 30/6/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:08 (مكة المكرمة)، 12:08 (غرينتش)

أنطوان جوكي-باريس

لا يمكن إهمال المعرض الضخم الذي ينظمه حاليا "مركز بومبيدو" في العاصمة الفرنسية باريس للفنانة الفلسطينية منى حاطوم.

فمن خلال أكثر من مئة عمل فني تغطي كافة مراحل عملها، يمنحنا منظموه فرصة فريدة للاطلاع على مسيرة إبداع فنانة تمكنت خلال ثلاثة عقود من عبور جميع حركات الفن المعاصر.

طريقة ترتيب أعمال حاطوم المعروضة حاليا لا تطمح إلى خط مسارها وفقا لتسلسله الزمني، بقدر ما تسعى لكشف العلاقة التي تربط هذه الأعمال بعضها ببعض، رغم اختلاف تاريخ إنجازها وأحجامها ووسائطها (أداء، فيديو، تجهيز، رسم، تصوير فوتغرافي، نحت).

وتعود أعمال المرحلة الأولى إلى ثمانينيات القرن الماضي وتنتمي إلى فني الأداء والفيديو. وخلف هذه الأعمال التي تمارس ضغوطات على المتأمل فيها، تقف غالبا مفاهيم التهجير والإبعاد والألم والتمرد ومقاومة الأحداث التي تعاني منها شعوب العالم الثالث.

الفنانة منى حاطوم أثناء تحضيرها لعمل فني

لغة الجسد
وتستخدم الفنانة في معظم هذه الأداءات جسدها لمقاربة أسئلة السلطة والتسلط، ولاستحضار الظروف السياسية والتوترات التي طبعت تلك الحقبة، كما في "لا تبتسم، أنت تخضع للتصوير" (1980)، أو "تحت الحصار" (1982) اللذين يكشفان اهتمام حاطوم بموضوع المراقبة الذي تناوله الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو في كتابه "أن نراقب ونعاقب".

لكن من أبرز هذه الأعمال نجد فيديو "تدابير المسافة" (1988) الذي يختلط فيه جسد والدة الفنانة بالرسائل التي كانت ترسلها إلى ابنتها المكرهة على البقاء في الغربة.

فبتشكيلها حاجزا بين صورة جسد الأم والمتأمل في العمل، تعبر هذه الرسائل عن المسافة بين الفنانة ووطنها، بين منطقة من العالم (الشرق الأوسط) ومنطقة أخرى (أوروبا) حيث تعيش حاطوم.

من أعمال الفنانة منى حاطوم "حجرات"

ويشكل هذا الفيديو انعطافا في عمل حاطوم التي ستعبر في نهاية ثمانينيات القرن الماضي من عالم مؤلف من عناصر سردية إلى عالم شكلي "مينيمالي" يسير خطابا نسويا، كما في "جسد غريب" (1994) الذي يمكن اعتباره آخر أداء أنجزته الفنانة، وتستسلم فيه لعملية انتهاك جسدي فريدة من نوعها، بتصوير جسدها من الداخل كفضاء عجيب وغريب تسقطه على الأرض كي يدوسه المتأمل فيه ويجتاحه ويفككه.. "إنه جسد المرأة كما يشيّده المجتمع"، تقول حاطوم.

وفعلا، ستنتقل الفنانة من فن الأداء إلى فن التجهيز، ضمن تصور "فينومينولوجي" تفسره على النحو التالي "مع التجهيزات، أردتُ وضع المُشاهد داخل حالة فينومينولوجية يكون الاختبار فيها أكثر مادية ومباشرة.. أردت أن يدفع الجانب البصري للعمل المُشاهدَ إلى المشاركة فيه بطريقة حسية وانفعالية، قبل أن يبدأ بحثه عن دلالات العمل ومعناه".

هشاشة الجغرافيا
وضمن هذا التوجه تندرج أعمال مثل "فضاء قصير" (1992) و"إعادة تجميع" (1995) و"شبكة" (2006) و"لا يُخترق" (2009) التي تتميز بقدرتها على تأجيج إدراك حسي متضارب لدى المتأمل فيها، إذ تجذبه موادها المألوفة، وفي الوقت نفسه ينفره جانبها الخطير والعدائي.

من أعمال الفنانة منى حاطوم "جملة ضوئية"

ويركز المعرض على موضوع مهم وراهن في عمل حاطوم منذ عام 1996، أي تلك الخرائط الجغرافية التي أنجزتها وتعكس نظرة شخصية سوداء لعالمنا.

أولى هذه الخرائط تستحضر حدود فلسطين كما أقرتها اتفاقية أوسلو عام 1993، وانتهاك "إسرائيل" الثابت لهذه الحدود التي ترسمها الفنانة على قطع صابون مصنوعة في نابلس.

وفي تجهيز آخر، تستعين بكريات زجاجية شفافة وصغيرة لرسم خارطة العالم على الأرض، كريات تعكس -بتحركها الدائم لدى سير المُشاهد بينها- عدم ثبات أي حدود جغرافية أمام امتحان الزمن والأحداث.

وفي تجهيز بعنوان "نقطة ساخنة" (2013)، تلجأ حاطوم إلى ضوء النيون الأحمر لإسقاط خريطة العالم على كرة أرضية من معدن. ويعكس خيار النيون الأحمر الخطر الذي يتهدد كوكبنا الذي يظهر في العمل على شكل قفص أو سجن كروي.

من أعمال الفنانة منى حاطوم "لا يُخترق"

ولا يهمل المعرض الصور التي التقطتها الفنانة أثناء تنقلها الدائم بين القدس وبيروت والقاهرة وأوروبا وأميركا.. وهي صور لا تخلو من قسوة أو دعابة خفيفة أو شعرية كامنة لدى تجسيدها عناصر من العالم الذي يحيط بنا.

كما لا يهمل المعرض الأعمال التي أنجزتها على ورق انطلاقا من عناصر مستقاة من الواقع اليومي (شَعر، أظافر، دم، بُقَع...)، أو المشاريع الجماعية ذات الطابع الإنساني مثل الذي حققته مع أطفال في القاهرة عام 2006 حول موضوع "القفص"، أو الأعمال الحِرَفية التي قادتها مع نساء عراقيات في الأردن (2008)، ومع نساء فلسطينيات في لبنان (2012-2014)، ومع نساء برازيليات (2014).

باختصار، نستشف في معظم أعمال حاطوم المعروضة حاليا عالما تحركه التناقضات والتوترات الجيوسياسية، وهي أعمال يختلط فيها التجريد مع الواقعية الشعرية بطريقة تمنح خطابها شمولية مثيرة، وهذا بالتأكيد ما يفسر تحولها إلى نموذج يحتذى به كثير من الفنانين اليوم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة