تحف فنية من رحم "النار" في مصر   
السبت 17/6/1437 هـ - الموافق 26/3/2016 م (آخر تحديث) الساعة 16:50 (مكة المكرمة)، 13:50 (غرينتش)

خلف التحف المعروضة بالمنازل والمكاتب والمؤسسات والقصور، لا يعرف كثيرون قصص المعاناة التي يتكبدها العاملون في الورش وهم يتحملون الحرارة ويبذلون جهودا مضنية لصنع القوالب المعدنية التي ستأخذ شكل التحف المراد صناعتها.

في ورشة قديمة بمحافظة الإسكندرية (شمال مصر) نموذج حي لتلك القصص، حيث ينهمك ستة عمال في تشكيل لوحات فنية، وتحف تحولت إلى مشاهد تسر الناظرين، بعد رحلة طويلة من المعاناة بين ألسنة اللهب ورائحة التراب والمعادن.

وما كان لهذه التحف أن تكون بذلك الجمال إلا بعد أن تصبب عرق عمال الورشة، وهم يصنعون القوالب المعدنية، يُمسك أحد العمال القالب بعناية، ويغطي جوانبه بتراب أسود، ومهمته الحفاظ على قالب التحفة منضبطًا دون عيوب أو شوائب، كما صاحب الورشة يروي عبد الناصر عبد العزيز.

وتنغمس أيادي العمال بين التراب والقوالب المعدنية، بينما يطغى سواد الدخان المنبعث من ملابسهم، فتخرج تحف تستعمل في النجف (قطعة مليئة بالأضواء) وإكسسوارات خاصة لديكور الأثاث.

عامل في ورشة بالإسكندرية ينهمك في صناعة تحف فنية غير مبال بلهب النار (الأناضول)

في زاوية أخرى من المكان، لا يلقي أحد العاملين -في الأربعين من عمره- بالا لألسنة اللهب التي تنبعث من فرن له عمق لا تهدأ فيه النار، مكتفياً برمي قطع من النحاس قطعة تلو الأخرى، ليصنع تحفاً جميلة، استمر في صناعتها عدة ساعات.

وتحتاج عملية صهر القطع النحاسية الملقاة داخل الفرن والمسماة "الخردة" (المعادن غير المستخدمة) إلى نحو ثلاث ساعات بالتزامن مع إعداد قوالب معدنية تحتوي على شكل التحفة المختارة.

وبعدها يقوم العمال برص عشرات القوالب المعدنية على بعد أمتار قليلة من بوتقة النيران الملتهبة، ويبدأ وقتها عامل الفرن بحمل سائل نحاسي منصهر بملعقة كبيرة من الحديد من قلب الفرن، ويتجه بحرص شديد نحو القوالب ويبدأ سكب السائل بحرص أشد، حتى يمتلئ القالب المعدني بالسائل.

ويكرر عامل الفرن هذه العملية شديد الصعوبة، التي اعتاد عليها في سنوات عمله، وفي الوقت ذاته ينقل أحد العمال كل قالب تمت تعبئته بسائل النحاس المنصهر لمكان آخر، حتت تكتمل صفوف القوالب.

وبعد تبريد القوالب في زاوية أخرى من ورشة صهر النحاس، يقوم عامل جديد بتفريغ القالب الذي يكون قد حمل شكل تحفة ذات لون يبدو ذهبيًا لامعًا، فيضع التحفة في إناء معدني أكبر، ويفرغ التراب الأسود الذي كان يحيط بالقالب المعدني، لإعادة تدويره مرة أخرى، وفي الوقت ذاته ينقل عامل آخر أشكال التحف لبدء تنقيتها من الأتربة ووضعها في جوالات لبيعها للتجار.

وبدأت تلك الصناعة اليدوية تواجه عقبات؛ أهمها غزو المستورد الأجنبي المتمثل في التحف الصينية (قليلة السعر)، وما تنتجه المصانع الكبيرة، وهو ما ينعكس على أوضاع العمال الذين يتلقون راتبا ثابتا يقدر بنحو سبعين جنيهًا يوميا (أقل من عشرة دولارات).

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة