الكيتامين.. نجم صاعد في بحوث الاكتئاب   
الأحد 1435/1/15 هـ - الموافق 17/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 21:51 (مكة المكرمة)، 18:51 (غرينتش)

الاكتئاب سجن في الحياة قد يقود صاحبه للانتحار (دريمز تايم-لاو أوتيس)

سيمون غريم

وفقا لمنظمة الصحة العالمية فإن الاكتئاب يؤثر على ما يقدر بنحو ثلاثمائة وخمسين مليون شخص في مختلف أنحاء العالم، الأمر الذي يجعل الاكتئاب من أكثر الحالات النفسية انتشارا. ولكن بين هؤلاء الذين يجربون العقاقير المضادة للاكتئاب يستجيب لها نصفهم فقط، وأولئك الذين يستجيبون لها ربما يضطرون إلى الانتظار عدة أسابيع أو حتى أشهر قبل أن يشعروا بالارتياح، وفي هذا خذلان بالغ للأشخاص المعرضين لخطر الانتحار. ومن هنا فإن الحاجة إلى مضادات الاكتئاب السريعة المفعول ملحة للغاية.

في الوقت الحالي، يُعَد الكيتامين -وهو دواء يستخدم في الأساس كمخدر في مجال الطب البيطري وكمخدر، ومسكن قصير الأجل في المستشفيات أثناء الجراحة أو غير ذلك من الإجراءات المؤلمة-النجم الصاعد في بحوث الاكتئاب. ويبدو أنه يعمل على تخفيف أشد أعراض الاكتئاب حدة في غضون دقائق أو ساعات، حتى مع المرضى الذين يحملون سجلا بالغ السوء في الاستجابة للعلاجات الأخرى.

وفي أول دراسة اشتملت على مجموعة ضبط، أفاد الباحثون عن انخفاض بنسبة 50% في أعراض الاكتئاب في غضون ساعتين من الحقن بالكيتامين، وفي غضون يوم واحد تحرر ثلث المرضى من كل الأعراض تقريبا. وعلاوة على ذلك، قال المرضى إن التفكير في الانتحار تضاءل لديهم بعد أربعين دقيقة فقط من تلقي الحقن في الوريد بهذا العقار. وفي بعض المرضى قد يستمر تأثير جرعة واحدة لأكثر من أسبوع كامل.

قال المرضى الذين تلقوا العقار إن التفكير في الانتحار تضاءل لديهم بعد أربعين دقيقة فقط من تلقي الحقن في الوريد بهذا العقار. وفي بعض المرضى قد يستمر تأثير جرعة واحدة لأكثر من أسبوع كامل

تقدم مفاجئ
ولا يقتصر الاهتمام بدراسة إمكانات الكيتامين على الأطباء السريريين فحسب. فقد أشاد علماء الأعصاب به باعتباره التقدم المفاجئ الكبير الأول في الأبحاث التي تتناول أدوية الاكتئاب في خمسين عاما. فخلافا لمضادات الاكتئاب التقليدية، والتي تستخدم لرفع تركيزات الناقلات العصبية مثل السيروتونين أو الدوبامين أو النورادرينالين، يؤثر الكيتامين على نظام الجلوتامات. وتلعب الجلوتامات الناقل العصبي الاستثاري الرئيسي دورا محوريا في الوساطة بين كافة أشكال عمل الدماغ تقريبا، بما في ذلك التعلم والذاكرة والإدراك والعاطفة.

ومن خلال منع الجلوتامات من الارتباط بمستقبلات الحمض الأميني NMDA، يعمل الكيتامين على زيادة إطلاق الجلوتامات، ويؤدي هذا بدوره إلى تنشيط أنواع أخرى من المستقبلات وتعزيز وظيفة وكثافة المشابك العصبية (الوصلات بين الخلايا العصبية) في مناطق من الدماغ حيث تسبب الإجهاد أو الاكتئاب في ضمور الخلايا. وقد تكون زيادة مرونة نقاط الاشتباك العصبي، أي قدرة التشابكات العصبية على ضبط قوتها، وهو ما يشكل ضرورة أساسية لوظيفة الدماغ السليمة، والسبب العصبي الحيوي وراء التأثير العلاجي الواضح في المرضى.

ولكن برغم ما يستشعره الأطباء السريريون وعلماء الأعصاب من إثارة إزاء الوعد الذي ينطوي عليه العلاج بالكيتامين، فقد أثار الكيتامين الجدل أيضا، وذلك نظرا للآثار الجانبية الضارة المحتملة التي قد يحدثها العقار. فاعتمادا على الجرعة، قد يعاني المريض من تغيرات حالية بدنية، ومكانية، وزمانية، وقد تستحث الكميات الكبيرة من العقار الهلوسة وانحلال الذات.

ومن المثير للاهتمام والفضول أن الخصائص النفسية للكيتامين قد تكون مسؤولة عن تأثيره المتمثل في تحسن الحالة المزاجية. فقد كانت العلاجات القائمة على العقاقير المهلوسة -والتي كانت منتشرة في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، قبل التقييد الشديد لهذه الأبحاث وتضاؤل الاهتمام بالاستخدام السريري للعقاقير المهلوسة- تستند إلى فكرة مفادها أن الخبرة النفسية التي يستحثها العقار تشكل ضرورة أساسية لتيسير عملية العلاج النفسي.

مستقبل الكيتامين كعلاج للاكتئاب قد يكون غير مؤكد حتى لو أقيم الدليل على كفاءته بشكل أكثر قوة. فشركات الأدوية ليس لديها حافز كبير لإجراء البحوث على هذا العقار والسعي للحصول على الموافقة لاستخدامه كمضاد للاكتئاب

حالة متبدلة في الوعي
ووفقا لوجهة النظر هذه فإن الحالة المتبدلة في الوعي نتيجة لاستخدام الكيتامين وبوجه خاص ذوبان وانحلال حدود الذات وتجربة التوحد مع العالم، قد تشكل خبرة عميقة وذات مغزى بالنسبة للمريض. ودمج هذه الخبرة في عملية العلاج النفسي قد يسهل تغيرات سلوكية لاحقة. وبعبارة أخرى فإن العقاقير مثل الكيتامين التي تحدث زيادة سريعة في المرونة العصبية قد تكون فعّالة بشكل خاص في مجال العلاج السريري في مجموعة متنوعة من تدخلات العلاج النفسي.

ولكن من المؤسف أن الأبحاث على مدمني الكيتامين وأولئك الذين يتعاطونه بجرعات كبيرة، باعتباره مخدرا ترفيهيا كشفت أن استخدامه قد يؤدي إلى مشاكل في التعلم والإدراك، فضلا عن اضطرابات الذاكرة. ومن التخوفات الأخرى أن الفوائد المترتبة على استخدام الكيتامين قد تكون عابرة نسبيا. ونتيجة لهذا فإن الكيتامين قد لا يتطور أبدا إلى علاج مقبول للاكتئاب في هيئته الحالية.

والواقع أن مستقبل الكيتامين كعلاج للاكتئاب قد يكون غير مؤكد حتى لو أقيم الدليل على كفاءته بشكل أكثر قوة. ولأن الكيتامين كان متاحا لعقود من الزمان، فلا توجد براءة اختراع له، وعلى هذا فإن شركات الأدوية ليس لديها حافز كبير لإجراء البحوث على هذا العقار والسعي للحصول على الموافقة لاستخدامه كمضاد للاكتئاب.

ورغم هذا فإن البحوث المتعلقة بالخواص الكيميائية للكيتامين قد تساعد في تحديد آليات التعامل مع الاكتئاب المقاوم للعلاج ،والتي تستند إلى المرونة العصبية التي يحدثها الجلوتامات. والحق أن شركات الأدوية بدأت بالفعل في التحقق من أشكال أخرى من مانعات الارتباط بمستقبلات الحمض الأميني، إلى جانب العقاقير التي تعمل على جزء مختلف من نظام الجلوتامات، كعلاجات محتملة للاكتئاب. وقد تقودنا هذه الأبحاث في نهاية المطاف إلى فئة جديدة تماما من مضادات الاكتئاب، وإغاثة الملايين من الناس في مختلف أنحاء العالم.
-------------------------------
* باحثة في قسم الطب النفسي، والعلاج النفسي، وطب النفس الجسدي في جامعة زيورخ، سويسرا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة