جوكووي.. صناعة الرئيس القادم لإندونيسيا   
الأحد 1435/6/6 هـ - الموافق 6/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 0:08 (مكة المكرمة)، 21:08 (غرينتش)

علي صبري-جاكرتا


جوكو ويدودو الذي يعرف في إندونيسيا باسم "جوكووي"، حالة صعود سياسي سريع نحو القمة يذكر بأسماء مشابهة شغلت الرأي العام العالمي في العصر الحديث، كان آخرها الصعود السريع والثابت للرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما.

سجل جوكووي -تاجر الأثاث الإندونيسي الذي تحول إلى السياسة- قفزات واسعة في مدة زمنية قصيرة، حيث بات خلال تسعة أعوام فقط منذ دخوله العمل العام، مرشحا قويا لرئاسة إندونيسيا، البلد الأكبر في جنوب شرق آسيا وأكبر بلد إسلامي.

وكان حزبه حزب النضال من أجل الديمقراطية، قد أعلن تسميته مرشحا للحزب في الانتخابات الرئاسية الإندونيسية المقبلة.

يذكر أن الانتخابات الرئاسية في إندونيسيا ستجرى في يوليو/تموز 2014، إلا أنها بالنسبة لجوكووي -الذي يشغل حاليا منصب محافظ جاكرتا- بدأت قبل ذلك بكثير، فأطلق دعايته الانتخابية قبل ثلاث سنوات، وأصبح حاضرا في السباق الانتخابي للبرلمان الذي يجري في التاسع من الشهر الجاري.

يشغل اسم جوكووي الرأي العام الإندونيسي، ويتردد اسمه في صالونات السياسة بشكل كثيف.

وتجري مراكز قياس الرأي العام استطلاعات تربط بين مرشحي الرئاسة المحتملين وتأثير ترشحهم على فرص أحزابهم بالفوز في الانتخابات البرلمانية.

وتشير كثير من الاستطلاعات أن ترشح جوكووي للرئاسة سيرفع من فرص فوز حزب النضال من أجل الديمقراطية في الانتخابات البرلمانية إلى 33.4%، بعد أن فاز بـ20% في الدورة الماضية.

وتشير أحدث الاستطلاعات عن شعبية المرشحين المحتملين لرئاسة إندونيسيا إلى تقدم جوكووي بنسبة 31.8% من الأصوات، يليه بفارق كبير الجنرال المتقاعد قائد القوات الخاصة السابق برابوو بنسبة 14.3%، وهي أرقام توضح مدى شعبية الرجل أو قوة حملة الترويج له مبكرا.

ويبدي مراقبون استغرابهم أن يسهم شخص حديث النشاط السياسي نسبيا برفع شعبية حزب تعود جذوره لأحمد سوكارنو مؤسس إندونيسيا وأول رئيس لها، وهو الذي أسس الحزب الوطني الإندونيسي عام 1927 ومنه تشكل حزب النضال من أجل الديمقراطية.  

جوكووي متهم باستخدام المال السياسي ودعم الأقليات والمسيحيين (الأوروبية)

كاثوليكي اعتنق الإسلام
يبلغ جوكووي من العمر 53 عاما، وهو كاثوليكي المولد. اعتنق الإسلام حين كان في الـ11 من عمره، وبدأ مشواره في العمل العام بمدينة سولو وسط جزيرة جاوا، عندما فاز بمنصب حاكم المدينة، دون سابق نشاط سياسي أو عمل عام يؤهله لهذا المنصب. إلا أن فوزه جاء بعد انتمائه لحزب النضال من أجل الديمقراطية، الذي تتزعمه ميغاواتي ابنة الزعيم التاريخي سوكارنو.

ذاع صيت الرجل في فترة حكمه لسولو لما حققه من نجاحات تحدث عنها الإعلام المحلي والعالمي طويلا، وحصل عام 2012 على جائزة من (مؤسسة حاكم محلي) في لندن كأفضل حاكم محلي في إندونيسيا وثالث أفضل حاكم محلي في العالم. ومنح الجائزة بعد تحويله لمدينة سولو من وكر للجريمة والفساد إلى مدينة ثقافية وسياحية بامتياز. وأدرجت سولو عام 2006 ضمن مدن التراث العالمي.

أما مجلة (فورين بولسي) الأميركية المعروفة، فقد اختارته واحدا من المفكرين القادة في العالم للعام 2013، كما ورد اسمه على قائمة مجلة (فورتشن) لأكبر خمسين قائدا في العالم.

حكم جوكووي مدينة سولو لفترتين من 2005 إلى 2010، والفترة الثانية من 2010 حتى 2012 ولم يكمل فترته، عندما ترشح لانتخابات محافظ جاكرتا عام 2012 وفاز بصعوبة على منافسه المدعوم من معظم الأحزاب الإندونيسية.

اللافت في فوز جوكووي بمحافظة جاكرتا، وهي المحافظة الكبرى والأهم، ليس القفزة الكبيرة من حكم سولو لمحافظة جاكرتا فقط، بل اختياره لنائبه، فقد اختار باسوكي نائبا وهو من الأقلية الصينية وكاثوليكي الديانة. 

وفي حال فوز جوكووي بالانتخابات الرئاسية في يوليو/تموز القادم، سيكون نائبه محافظ جاكرتا الجديد، وهي سابقة في تاريخ إندونيسيا أن يتقلد صيني وكاثوليكي منصبا إداريا رفيعا مثل منصب المحافظ، فضلا عن أنها جاكرتا ذات الـ15 مليون نسمة.

ولذلك يتهمه خصومه ومنافسوه من السياسيين والحزبيين بأن المال السياسي ودعم الأقليات مثل الصينيين والمسيحيين هو ما يقف وراء صعود الرجل السريع إلى القمة.

كما يتهمه خصومه بأنه واجهة لتوسع هذه الأقليات وتغلغلها في السياسة الإندونيسية، الأمر الذي لم ينفه ميغي مارديونو مدير حملة جوكووي الانتخابية في حديثه للجزيرة نت.

جوكووي حول سولو من وكر للجريمة إلى مدينة ثقافية وسياحية بامتياز (الأوروبية)

متابعة إعلامية
انشغل قطاع واسع من الإعلام الإندونيسي بجوكووي منذ ثلاث سنوات، بما يشبه الحملة الانتخابية المبكرة جدا على شاشات تلفزيونات خاصة وغير حزبية ومواقع الإنترنت، ومثل موقع ديتك.كوم وهو الموقع الإخباري الأول في إندونيسيا، حيث يحصي متابعون للموقع قرابة 20 خبرا عن جوكووي في اليوم، بمعنى أنها متابعة لصيقة لتحركات الرجل ونشاطه منذ ثلاث سنوات.

ولقرابة العامين من عمله محافظا لجاكرتا تمكن جوكووي من توفير تأمين صحي للفقراء في العاصمة، كما أنه بنى قرى صغيرة نموذجية للفقراء تضم بمجموعها قرابة 400 منزل حتى الآن، وهو ما يرفع شعبيته  لدى فقراء جاكرتا.

وإذا كان الرئيس الحالي سوسيلو بامبانغ يوديونو قد اعتمد على رصيد كبير من العمل جنرالا (بأربعة نجوم وهي أعلى رتبة عسكرية في إندونيسيا) وعمله منسقا للشؤون الأمنية في حكومة ميغاواتي، ويتمتع بشخصية وحضور مهيب، يفتقر جاكووي إلى كل ذلك، فهو صاحب تاريخ متواضع في العمل العام، وبسيط في هيئته وسلوكه.

إلا أن جاكووي تمكن من صناعة صورة ذهنية عن نفسه بأنه الأقرب من المواطن الإندونيسي البسيط وهمومه واحتياجاته، بما يعيد إلى الأذهان سيناريو فوز محمود أحمدي نجاد برئاسة إيران بعد عمله محافظا للعاصمة الإيرانية طهران، وإيلائه اهتماما كبيرا لرفع مستوى المعيشة لطبقة الفقراء.

وربما تكون هذه هي الصورة التي يجري العمل عليها لصناعة الرئيس القادم لإندونيسيا، بعيدا عن العسكريين والسياسيين التقليديين الذي احتكروا المشهد السياسي في إندونيسيا منذ سقوط نظام سوهارتو عام 1998.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة