صبرا وشاتيلا.. جريمة لا تسقط بالتقادم   
الجمعة 1426/8/12 هـ - الموافق 16/9/2005 م (آخر تحديث) الساعة 21:03 (مكة المكرمة)، 18:03 (غرينتش)
أقارب الضحايا لم يفقدوا الأمل بعد (الفرنسية-أرشيف)
لم يتبق من ذكرى مجازر صبرا وشاتيلا التي وقعت قبل 23 عاما في ضاحية بيروت الغربية وراح ضحيتها ما يقرب من ألفي فلسطيني إلا مجرد مسيرة تضامنية شارك فيها بضع مئات من أقارب الضحايا وناشطي حقوق الإنسان الذين تجمعوا عصر الجمعة أمام المقبرة الجماعية التي أقيمت للضحايا في بيروت.
 
على مدى ثلاثة أيام بين 16 و18 سبتمبر/ أيلول عام 1982 قتل ما يقرب من ألفي فلسطيني في مجزرة ارتكبتها مليشيا مسيحية لبنانية داخل مخيمات صبرا وشاتيلا بأوامر من أرييل شارون وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت, والذي كانت قواته تحاصر المخيمات.
 
وقد توصلت لجنة تحقيق إسرائيلية رسمية برئاسة رئيس المحكمة العليا إسحق كاهان في تقرير لها في 1983 إلى خلاصة مفادها أن شارون "مسؤول شخصيا" عن المجزرة, معتبرة أن "إسرائيل تتحمل مسؤولية غير مباشرة" عنها. وقالت المحكمة إن "على شارون استخلاص العواقب الشخصية المناسبة المترتبة على ما تكشف من مثالب فيما يتعلق بالأسلوب الذي أدى به مهام منصبه".
 
وأوصت اللجنة رئيس الوزراء آنذاك مناحم بيغن "بعزل شارون عن منصبه إذا لم يقدم استقالته", وقد استقال شارون بالفعل، لكنه تقلد بعد ذلك مناصب سياسية رفيعة وصولا إلى قمة السلطة.
 
تخاذل دولي
ورغم وضوح معالم الجريمة بمعظم أركانها, إلا أن أحدا لم يقدم للمحاكمة حتى الآن, وتحطمت كل المحاولات في هذا الصدد على صخرة "تخاذل دولي" صب بشكل أساسي في مصلحة الجناة الحقيقيين وسمح لهم بالإفلات ولو مؤقتا بجريمتهم دون حساب.
 
وقبل نحو عامين صدمت المحكمة العليا البلجيكية المتعاطفين مع ضحايا المجزرة عندما قضت بعدم قبول الدعوى المقامة ضد شارون استنادا إلى نصوص قانونية ترجع إلى عام 1873 تقضي بأن يكون المتهم موجودا على الأراضي البلجيكية وقت تقديم مذكرة الادعاء.
 
شارون يعتلي منبر الأمم المتحدة معتبرا نفسه رجل سلام (رويترز)
ولم يفقد أقارب الضحايا ولا المتعاطفون معهم الأمل, حيث قرروا المضي قدما في طريق الملاحقات القضائية التي لم تسفر حتى الآن عن أي نتيجة, لعدة أسباب لعل في مقدمتها تلك الظروف الدولية التي تتمثل فيما يعرف بازدواجية المعايير والتي على أساسها يجري ملاحقة المتهمين بجرائم حرب في غرب السودان والبوسنة وغيرها, بينما يتم غض الطرف عما ترتكبه إسرائيل وجنرالاتها من جرائم ضد الإنسانية.
 
الصمت العربي
اللافت للنظر على هذا الصعيد أن العالم العربي والإسلامي وهو صاحب القضية الأول شارك عن عمد أو غير عمد في تحويل المزاج الدولي ليغض الطرف عن إسرائيل ويقبل التعامل مع شارون كرجل سلام, وكأن مذابح صبرا وشاتيلا من ذلك النوع من الجرائم الذي يسقط بالتقادم.
 
"
العالم العربي والإسلامي شارك عن عمد أو غير عمد في تحويل المزاج الدولي ليغض الطرف عن إسرائيل ويقبل التعامل مع شارون كرجل سلام, وكأن مذابح صبرا وشاتيلا من ذلك نوع من الجرائم الذي يسقط بالتقادم
"
وفي هذا الإطار كان التقارب الباكستاني مع إسرائيل ومن قبله التقارب المصري والأردني من أبرز التحركات التي ربما حملت في طياتها دعوات مباشرة وغير مباشرة لنسيان الماضي خاصة إذا كان من شأن هذا الماضي تأخير بعض الاستحقاقات الزهيدة, مثل تفكيك بعض المستوطنات أو تنفيذ انسحاب أقرب ما يكون إلى عملية لإعادة نشر القوات حول قطاع غزة.
 
يضاف إلى هذا أن محاولات لطمس معالم القضية والتعتيم عليها إعلاميا من جانب جهات إسرائيلية عديدة, تزامنت مع يمكن وصفها بحالة استرخاء إعلامي عربي تمثلت في تجاهل الذكرى الـ23 للمجازر.
 
وهنا تجدر الإشارة إلى أن فيلما وثائقيا أنتجته هيئة الإذاعة البريطانية عام 2001 كان كفيلا بإعادة إحياء الكارثة ودفع بأقارب الضحايا ومنظمات حقوق الإنسان لتحريك القضية أمام المحكمة العليا البلجيكية. حدث هذا في ظل غياب واضح للإعلام العربي الذي ربما جاء موقفه انعكاسا لما عليه حال الدوائر الرسمية العربية.
 
وقد دعت منظمة مراقبة حقوق الإنسان إلى محاكمة شارون جنائيا وقالت إن أحدا لم يقدم للمحاكمة, رغم أن هناك أدلة وفيرة على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية على نطاق واسع في صبرا وشاتيلا.
 
صور المجزرة خير شاهد (أرشيف)
المحكمة الجنائية
وفي هذا الإطار قال فادي القاضي الناطق باسم منظمة مراقبة حقوق الإنسان "هيومان رايتس ووتش" في تصريحات للجزيرة نت إن الأمل الوحيد المتبقي يتمثل في المحكمة الجنائية الدولية, لكنه يشير في نفس الوقت إلى أن إسرائيل ليست عضوا بالمحكمة ولم تصادق عليها ومن ثم لا سبيل في الوقت الحالي لإلزامها بأي حكم.
 
ويشير الناطق إلى أن الأمر بحاجة إلى ما سماها إرادة سياسية للمجتمع الدولي, معتبرا أن القرار هنا ليس قرار منظمات حقوق الإنسان. ويؤكد القاضي أيضا على أن هذه القضية لا يمكن أن تسقط بالتقادم, ويشير على سبيل المثال إلى محاكمة أوجستو بينوشيه رئيس تشيلي السابق رغم مرور سنوات طويلة على ما نسب إليه من جرائم.
 
وربما كان رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة هو الصوت العربي الوحيد الذي انطلق منددا بمشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة متهما إياه بقتل ثلاثة آلاف فلسطيني ولبناني في صبرا وشاتيلا.
 
تبقى الإشارة إلى أنه لم يفصل بين الذكرى الرابعة لهجمات 11 سبتمبر/ أيلول وبين الذكرى الـ23 لصبرا وشاتيلا سوى خمسة أيام فقط, لاحظ خلالها المراقبون الفرق في طريقة التعامل مع القضيتين سواء من جانب المجتمع الدولي أو من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل أو حتى العالم العربي والإسلامي.. وفي الحالتين كانت النتيجة


الأبرز تصب في مصلحة الجناة الحقيقيين الذين وقفوا يخرجون ألسنتهم لشرعية دولية أصابها قدر غير قليل من العوار والعمى.
________________
الجزيرة نت
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة