مساجد تونس تعيش "فوضى خلاقة"   
الأربعاء 27/9/1433 هـ - الموافق 15/8/2012 م (آخر تحديث) الساعة 13:28 (مكة المكرمة)، 10:28 (غرينتش)
إحدى حلقات الدروس الرمزية بجامع الزيتونة (الجزيرة)

تعيش مساجد تونس صراعا خفيا وصل حد الفوضى وتبادل العنف بداخلها، ورغم ذلك تحاول الحكومة التونسية تطبيق القانون وتنظيم أوضاع المساجد رغم صعوبة المهمة وتنازع السيطرة بين قوى الضغط القديمة والجديدة على عدد كبير من المساجد. 

وتتداول الصحف ومواقع التواصل الاجتماعية التونسية بصفة شبه يومية أخبارا مختلفة عن مظاهر الفوضى داخل المساجد والصراع المحتدم حول منابرها والذي يتخذ أشكالا مختلفة تتراوح بين عزل الأئمة وإنزالهم من المنابر.

ويخفي هذا الصراع بشكليه الظاهر والخفي صراعا أعمق للتموقع في الساحة الدينية بين أطراف مختلفة فكريا وتزيده تأججا قوى الضغط القديمة من أنصار حزب التجمع المحلول وبقاياه.

وقال وزير الشؤون الدينية (الأوقاف) نور الدين الخادمي لوكالة دويتشه فيلله العربية إن إدارة المساجد ترجع للوزارة دون غيرها فهي التي تكلف إطاراتها وتتولى بناءها وصيانتها، معتبرا أن المساجد أماكن عبادة وعلم ونشر لثقافة الإسلام.

وأضاف الخادمي أن المساجد جزء من مؤسسات الدولة تندرج ضمن رؤية شاملة تهدف إلى تدعيم وحدة المجتمع وتعزيز متطلبات هويته الإسلامية، وشدّد الوزير على أنه "لا يجوز القيام بالعمل الحزبي والدعاية السياسية في بيوت الله".

وزير الشؤون الدينية نور الدين الخادمي: لا تجوز الدعاية السياسية داخل بيوت الله (الجزيرة)

"الفوضى الخلاقة"  
وأوضح الوزير التونسي أن الصراع على المنابر "عمل مرفوض ويجب أن ينتهي"، مشيرا إلى أن وزارته هي وحدها المؤهلة قانونا لتغيير الأئمة.

غير أن ما يحدث على أرض الواقع يبدو مخالفا للخطاب الرسمي، إذ يرى المهتمون بالشأن الديني أن الحكومة التونسية تعتمد ما يُعرف بمبدأ "الفوضى الخلاقة" في تسيير المساجد، فقد تركتها دون رقيب، يصول فيها كل ذي مطمح سياسي أو ديني.

وقد طالب مشايخ جامع الزيتونة بتحييد الشأن الديني عن كل التجاذبات السياسية وسن قانون يحمي الإطارات الدينية، وهددت إحدى نقابات المشايخ والأئمة في سابقة تاريخية بإضراب يوم 8 أغسطس/آب نتيجة الإعفاءات وعزل الأئمة وأرجعت ذلك لتدخل أطراف سياسية في الشأن الديني في إشارة إلى حركة النهضة.

واحتدم الصراع مؤخرا بشأن إمامة جامع الزيتونة، إذ تمت إقالة الإمام حسين العبيدي على خلفية "اعتدائه" على عدل تنفيذ جاء ليعاين تغيير أقفال الجامع، حسب رواية الوزارة، وتم على إثرها إيقافه على ذمة التحقيق.

ورغم الجدل الذي أثاره عزل الإمام، أعلنت الوزارة تعيين إمام جديد، لكن الأخير لم يتسن له إلقاء خطبته يوم الجمعة بسبب منعه من دخول المسجد من قبل عدد من الأشخاص. وقال حسين العبيدي في مؤتمر صحفي إنه لن يعتلي منبر الزيتونة إلا من كان عضوا في مشيخة الجامع الأعظم، وإنه ليس للحكومة الحق في تنصيب إمام يخدمها ولا يجب أن يعتلي "مداحو الأنظمة" منبر الجامع.

صراع محتدم
ويقول الناشط الحقوقي صلاح الدين الجورشي إن إدارة الشؤون الدينية تعاني من خلل يعود إلى سنين، فقد كانت المساجد في عهدي الرئيسين الأسبقين زين العابدين بن علي والحبيب بورقيبة تحت سيطرة الحزب الحاكم وبالتالي كانت في خدمة ما سماها الدكتاتورية.

واكتشف التونسيون بعد الثورة -يواصل الجورشي- أن التيارات الإسلامية غير متجانسة، مشيرا إلى أن الصراع يدور بين الجهاز الرسمي ومجموعات الضغط الجديدة التي قال إنها افتكت حوالي 350 مسجدا.  

صراع وقع بين إمام جامع الزيتونة ووزارة الأوقاف التونسية (الجزيرة)

ويصف صلاح الدين الجورشي الوضع الحالي بأنه "معقد ومرشح لمزيد من التطور السلبي لأنه لا توجد خطة واضحة في كيفية تنظيم المجال الديني في تونس"، ورأى أن ضعف سلطة الدولة جعل أطرافا عديدة تتنازع المجال الديني.

ويرى صلاح الدين الجورشي أن المشكل الآخر الذي تعاني منه مساجد تونس هو مضمون الخطب الدينية الموجهة للمواطن، "فإذا كنا في العهد السابق نعاني من تسييسها لصالح الحزب الحاكم فإن الخطب المسجدية خاضعة الآن لنوع من التسييس الجديد".

غياب النخب 
وفي خضم هذا الصراع والتجاذبات بين السياسي والديني، يبرز جليا الغياب شبه الكلي للنخب الدينية والعلماء. ويفسر صلاح الدين الجورشي ذلك بأزمة بنيوية، وقال إن النخب كانت مبعدة تماما عن التعاطي مع الشأن الديني ولأول مرة منذ سنة 1956 تجد نفسها أمام مهمة توجيه الرأي العام، "ولكن الحقيقة بيّنة أن هناك فجوة بين النخب وبين المرحلة التاريخية التي تعيشها تونس".

ويرى الجورشي أن النخب الدينية مدعوة إلى تأهيل خطابها واكتساب قدرة أكبر على المواجهة بالحجة والبرهان.

ومن جهته يرى يحيى بونحاس -الكاتب العام لجمعية المنبر الإسلامي التونسي (هيئة ثقافية إسلامية غير حكومية)- أنه يجب بعث هيئة مستقلة منتخبة لتأمين حسن تسيير الشأن المسجدي تتكون من كفاءات وعلماء دين تتولى تعيين وعزل ومراقبة الأئمة على مستوى الخطب وأداء الدروس الدينية في المساجد.

ويوضح أن المسجد فضاء عام ونبض المجتمع، وأنهم في جمعية المنبر الإسلامي يرون أن الإمام يجب أن لا يكون له أي انتماء حزبي فوق المنبر الذي يجمع ولا يفرق، وأن الإمام لكل الناس.  

وبين هذا الرأي ونقيضه، يظل المسجد في تونس محل صراع يخفي صراعا أعمق بين مشاريع مجتمعية مختلفة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة