"مشروع هايدلبرغ".. الفن لعلاج المجتمع   
الجمعة 1432/9/7 هـ - الموافق 5/8/2011 م (آخر تحديث) الساعة 16:34 (مكة المكرمة)، 13:34 (غرينتش)

مجموعة من اللوحات على جدار منزل مهجور بحي هايدلبرغ (الجزيرة نت)

طارق عبد الواحد- ديترويت

احتفل الفنان الأميركي تيري غايتون باليوبيل الفضي لمشروع "هايدلبرغ" عبر معرضين فنيين، أحدهما بالمتحف الأفريقي الأميركي بمدينة ديترويت، ويمتد الآخر على مساحة كبيرة بشارع هايدلبرغ شرق المدينة. وقد ساهم هذا المشروع في تحويل سكان الحي الذي عرف بانتشار الجريمة والعنف إلى بشر مسؤولين ومنتجين وأسوياء.

ويضم المشروع  الذي بات يعرف اختصارا باسم "أتش.بي" آلاف الأعمال الفنية المصنوعة من النفايات والخردة والمخلفات بكل أنواعها، في شكل لوحات تشكيلية تتفاوت بين الجودة والرداءة والجمال والبشاعة، لكن أكثرها لا يخلو من الرسائل والرموز.

منحوتات من أخشاب منزل محروق
في معرض حي هايدلبرغ (الجزيرة نت)
مبادرة شخصية
في عام 1986 عاد غايتون إلى حي هايدلبرغ الذي نشأ فيه ليجده غارقا في الجريمة والمخدرات والفقر والإهمال، ومتأثرا بفقدانه لثلاثة من إخوته اختار الفنان الشاب أن يستل ريشته وألوانه بدل التسلح بمسدس، وأخذ مكنسة وبدأ بتنظيف الشارع تمهيدا لإعادة تأهيله، من دون أي خطة مسبقة أو تمويل.

وبمساعدة أشخاص قلائل تحمسوا لمبادرة غايتون، وفي مقدمتهم جده الفنان سام ماك جي بدأ الشارع يتحول من وكر للجريمة والمخدرات إلى بيئة مكتظة بالأفكار والألوان، ولتصبح الخرائب وبقايا المنازل المهجورة والباحات القذرة والأرصفة والأشجار والمقاعد منصات ومسارح لمختلف الأعمال الفنية.

واستطاع "أتش.بي" الذي لاقى معارضة وازدراء الكثيرين، أن يكسب معارك ضارية منها قيام بلدية ديترويت بهدمه لمرتين وإحالة صاحبه إلى محكمة ميشيغن العليا، لكن إيمان غايتون بالفن كوسيلة لشفاء الأشخاص وتمريض المجتمعات كان الدافع الذي جعله لا يلين، حتى تم الاعتراف بالمعرض عالميا كتظاهرة فنية أثبتت قدرة الإبداع على تغيير مصائر الناس وخصائص المجتمعات.

ويشرح غايتون أهداف مشروعه "بتثقيف أطفال الحي بمسائل الفن والمجتمع والبيئة.. هؤلاء الذين يشاهدون يوميا وهم في طريقهم إلى المدارس منازل محروقة أو مهجورة وحطاما وجرائم ومظاهر فقر ويأس".

ويؤكد أن هذا المشروع " يسعى لمساعدتهم في بناء شخصياتهم وترميمها وتشجيعهم على الاعتزاز بالنفس وتغذية الشعور بالانتماء للأمكنة والمجتمعات التي جاؤوا منها".

لوحة معروضة بحي هايدلبرغ (الجزيرة نت)
تغيير الناس
وفي الوقت الذي كانت فيه النفايات والمخلفات تتحول إلى عناصر وحوامل فنية في مختبر غايتون الفني، كان السكان الغارقون في الفقر واليأس يتحولون إلى بشر مسؤولين ومنتجين في مختبر شارع هايدلبرغ الاجتماعي والمدني.

وكان هذا التحول الفارق بفضل "مشروع هايدلبرغ" الذي اجتذب أبناء الشارع وقاطنيه وأقنعهم باحترام الفن ومقاربته في نشاطات يومية لإثراء حياتهم وتعبيراتهم ومخيلاتهم.

كما نجح المشروع في إقامة توليفة متينة بين الفن والمجتمع عبر تثوير الأفكار وتشجيع الناس على المبادرة ومحاولة الإبداع ومساعدتهم على التفكير خارج الأطر الضيقة، وبث الثقة والتفاؤل والجمال في الحياة اليومية.

ورغم أن سكان المنطقة ما زالوا غارقين في الفقر والبطالة يحسب إحصائيات العام 2005 التي أظهرت أن أكثر من 75% منهم يعيشون تحت خط الفقر، فإن سمعة الشارع العنفية تغيرت وتبدلت أمزجة قاطنيه، ولم تسجل الإحصائيات الرسمية أي جرائم منذ انطلاق المشروع.

وفي الوقت ذاته، لم يتوقف المنتقدون عن محاربة المشروع الذي يصفه صاحبه "بالدواء"، حيث يؤكد وفق ما جاء في ملصقات المعرض أن فنه "مرّ كالدواء، وصعب على الناس ابتلاعه، ولكن في النهاية لا بد منه".

ويضيف أن "هذا الدواء يبدو كأنه ساعد الناس على الشفاء، فهؤلاء الذين لا يزورون المتاحف والمسارح صاروا مثقفين بالفن وشركاء في صناعته، ويساعدون في إعداد برامج المشروع وفعالياته، ويستقبلون الزائرين القادمين من كل أنحاء البلاد ومن خارج أميركا.. هذه الحقائق جعلتهم يشعرون بالفخر وبقيمتهم الذاتية".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة