عقيلة: القذافي حبيس الوهم   
الأحد 1432/5/1 هـ - الموافق 3/4/2011 م (آخر تحديث) الساعة 13:33 (مكة المكرمة)، 10:33 (غرينتش)

القاص عقيلة: القذافي في العقدين الأخيرين كان يعيش خارج ليبيا ( الجزيرة نت)

الجزيرة نت-خاص

وسط أحراش الجبل الأخضر بقريته عمر المختار جنوب مدينة البيضاء، يجلس القاص أحمد يوسف عقيلة عدة ساعات يرسم لحظة انطلاق ثورة 17 فبراير في البيضاء التي تعد من أولى المدن الليبية التي انتفضت في وجه العقيد معمر القذافي.

ويرى عقيلة أن العقيد ما يزال يعيش في اللحظة التي انقلب فيها على الملك السنوسي عام 1969، وأنه كان يعامل شعبه طوال الوقت بأنه مجرد هامش يظهرون في خلفية صورته، ولهذا لم يستوعب أن الشباب الذين ولدوا في عهده قد ثاروا بالفعل ضده، فصرخ "من أنتم؟".

يكتب عقيلة برؤية المثقف المسكون بالناس والحرية والأسئلة الحائرة ومقارعة الدكتاتورية في انتظار لحظة الخلاص، حيث يعيش في القرية التي سميت على اسم المجاهد الكبير عمر المختار.

ولد أحمد يوسف عقيلة بأحد نجوع البادية عام 1958، وفي رصيده الأدبي 11 مؤلفا بين مجموعات قصصية وأدبية وتراثية، بالإضافة إلى 14 مخطوطا جاهزا للنشر خلال الفترة المقبلة، وقد تُرجمت بعض أعماله إلى الإنجليزية والفرنسية.

متظاهر بمدينة البيضاء بعدسة عقيلة
الجزيرة نت زارت القاص الليبي في بيته القروي المتواضع فوق أحد السفوح الجبلية، وعلى امتداد خضرة الجبل في هذا الوقت من العام تم إجراء هذا الحوار:

 
نود منك رسم صورة أو بورتريه لثورة 17 فبراير؟

- ثورة 17 فبراير في ليبيا جاءت ضمن السياق الشامل لثورات المنطقة.. فلا يمكن النظر إليها بمعزل عن الثورات العربية التي تجتاح الوطن الكبير، وهي حدث منتظر ومتوقع نظراً لما آل إليه النظام من عزلة وقطيعة بينه وبين الشعب، فالقذافي في العقدين الأخيرين كان يعيش خارج ليبيا أكثر مما كان يعيش في داخلها، ولأن أهل مكة أدرى بطغاتها، فقد كان الليبيون يتوقعون أن يكون الرد على التظاهر السلمي عنيفا، لأنهم قد جربوا ذلك من قبل عدة مرات.

وكان الصدام حتمياً بين المدافعين عن الوطن والمدافعين عن الوثن، فالثورة السلمية أرغمها النظام على العسكرة. ولأن الشعب الليبي لا يحمل السلاح فقد اضطر للدفاع عن نفسه إلى اقتحام المعسكرات والكتائب الأمنية وانتزاع السلاح.. ودفع ثمناً باهظاً من دماء أبنائه.. ولكن كان لا مناص من ذلك، لكن الثورة لا تزال سلمية، إذا أوقف القذافي إطلاق النار فسيتظاهر الليبيون سلمياً من جديد.


ككاتب.. كيف تعاملت مع يوميات الثورة؟

- قبل اندلاع الثورة بأيام قليلة تلقيت تهديداً على فيسبوك بالقتل من بعض أعضاء اللجان الثورية إن خرجت أنا يوم 17 فبراير، والشباب في مدينة البيضاء خرجوا يوم الأربعاء 16 فبراير.. وكانت الشرارة من مفترق الطلحي، وكنت هناك في لحظة انطلاق الثورة.. لا أدعي أنني شاركت مباشرة.. لكنني كنت ألتقط الصور.. ومنذ ذلك اليوم وأنا أخرج لأوثق يوميات الثورة.

كان الصدام حتمياً بين المدافعين عن الوطن والمدافعين عن الوثن، فالثورة السلمية أرغمها النظام على العسكرة
كنت أصور كل شيء، الشعارات التي ترفع في اللافتات، والتي تكتب على الجدران، وحتى السبورة التي تكتب عليها أسماء الشهداء، وصور اقتحام الكتيبة الأمنية في شحات. وسافرت إلى بنغازي مرتين لألتقط بعض الصور، ووثقت الهتافات كجزء من أدبيات الثورة، وحتى النكتة والرسم الساخر، ولدي أرشيف كبير ليوميات الثورة.

 
وما هي انطباعاتك عن جيل 17 فبراير؟

- القذافي لم يستطع تجاوز اللحظة التي استولى فيها على السلطة في سبتمبر/ أيلول 1969. أما جيل 17 فبراير فهو لا يتجاوز الثلاثين عاماً في معظمه، هم شباب ولدوا جميعاً في عهد القذافي، فرض عليهم مقولاته وأطروحاته في المناهج الدراسية.. مادة المجتمع الجماهيري.. والوعي السياسي.. وبراعم وسواعد وأشبال الفاتح.. لكن ذلك كله لم يستطع ردم الهوة والفجوة والقطيعة التي حدثت بين القذافي والشباب الليبي.

فالقذافي ظل يراوح مكانه، وتحول إلى حجر عثرة في طريق الليبيين، كان دائماً يجرهم إلى الوجهة الخطأ، وكانوا بالنسبة له مجرد خلفية وهامش، وحين ثاروا تفاجأ، وصرخ متسائلاً مستغرباً مستنكراً (من أنتم؟!) وكأنه بعد 42 عاماً من الحكم الشمولي يكتشف وجود الليبيين لأول مرة.


ما حجم الأسئلة التي راودتك طيلة أيام الثورة؟

- مواطن ليبي يسأل مواطناً ليبيًّا آخر أثناء أحداث الثورة (أنت عارف من يريد يحكم ليبيا بعد القذافي؟) فيرد المواطن الآخر على الفور دون تريّث أو تفكير: (إن شاء الله حتى شيطان أزرق.. المهم ينزاح القذافي).

الأنظمة الديكتاتورية أوصلت المواطن إلى نقطة عدم التفكير في البديل، المهم أن ينزاح النظام، وليكن بعد ذلك من يكون، فلن يكون في كل الأحوال أسوأ من الديكتاتور، لكن الأسئلة تلح، ولابد من طرحها.. أو هي في الواقع تطرح نفسها كما يقولون: هل ستنجح الثورة؟ من سيحكم بعد القذافي؟ ما شكل الدولة؟ هل سيساعدنا المجتمع الدولي حقاً دون أن يتدخل في شؤوننا؟ هل سينقض تعهداته وينزل بجنود على البر تحت أية حجة؟ هل سيضغط علينا الغرب خاصة ببعض الإملاءات؟ ما هي خياراتنا؟ هل سيتفق الليبيون بعد نجاح الثورة على شكل الدولة ومسارها؟ والأسئلة لا تنقضي.


هل تتوقع تحقيق أهداف ثورة 17 فبراير؟

طفل ليبي يشارك في الاحتجاجات ضد القذافي (الجزيرة نت)

- ولِم لا؟ إذا كانت ثورة حقيقية فلا بد أن تحقق أهدافها، فالشباب الليبي كان يحضّر للثورة على فيسبوك. كانت هناك حوارات ونقاشات عن التوقيت والأهداف. وحتى عن بعض التفاصيل الميدانية بأن تنطلق الثورة في توقيت متزامن في عدة مدن حتى تتشتت قوات الأمن.

وكان كل ذلك علناً على صفحات فيسبوك، تحقيق الأهداف القريبة والبعيدة للثورة هو بالطبع معيار نجاحها.. فهي ثورة وليست مجرد لحظة غضب عابرة، وإن كان للغضب أهميته في الثورات.

 قمت بالإضراب عن الطعام والاعتصام بأحد الميادين يوم 18 فبراير، ما هي الرسالة التي كنت تود قولها من خلال ذلك؟

- يوم الخميس 17 فبراير استشهد 17 من شباب الثورة في مدينة البيضاء، وتأثر الشباب كثيرا نظراً لعدم التكافؤ في القوة، فالمظاهرات في ذلك التوقيت لا تزال سلمية، ولم يكن علم الاستقلال قد ظهر بعد.. فبحثت عن رمز يجتمع عليه الليبيون، فالتقطت صورة شيخ الشهداء عمر المختار ووقفت في جزيرة الدوران بميدان البريد القديم بالبيضاء، وحين شاهد الناس صورة عمر المختار أخذوا يدورون حولي بسياراتهم ويطلقون أبواقها، ويلتقطون الصور.. وبعضهم نزل وأخذ يقبل صورة عمر المختار، فما أردته هو شحذ همم الناس حتى لا يتطرق اليأس إلى نفوسهم بسب العنف المفرط الذي قابلهم به النظام.

كنت أنوي الاعتصام عدة أيام لولا أن بعض الأصدقاء حذرني من أنني قد أتعرض للدهس بسيارات النظام التي تأتي فجأة بسرعة خارقة، فأنا في نهاية المطاف إنسان وأخاف.. فالشجاع ليس هو الذي لا يخاف.. بل هو الذي يتجاوز خوفه في لحظة ما، وأنا أحرص على الاحتفاظ بخوفي.. حتى أحتفظ بإنسانيتي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة