بين عامين ومجزرتين.. غوطة دمشق تتجرع الموت بصمت   
الجمعة 1436/11/7 هـ - الموافق 21/8/2015 م (آخر تحديث) الساعة 19:43 (مكة المكرمة)، 16:43 (غرينتش)

سلافة جبور-دمشق

"أنا عايشة! أنا عايشة!" صرخة الطفلة يمنى التي نجت من الهجوم الكيميائي على غوطة دمشق منذ عامين وخسرت كل عائلتها، لا يزال صداها يتردد بمسمع أبو نادر الذي كان شاهداً على المجزرة، وحاضرة في أذهان السوريين والعالم أجمع، مذكرة إياهم بعجزهم المطلق أمام الألم السوري.

وبين مجزرة مات ضحاياها بصمت ودون دماء، وأخرى حصدت أرواح أكثر من مئة قتيل منذ أيام في دوما مركز الغوطة، هناك آلاف الصرخات لأطفال ونساء وشيوخ ورجال لا تجد صدى لدى المجتمع الدولي، ولدى دول كبرى تكتفي بالقلق والذهول وهي تشاهد صور الموت في سوريا.

من مجزرة الكيميائي من مدينة عربين بالغوطة الشرقية أغسطس/آب 2013 (الجزيرة)

شهادات مؤلمة
أبو نادر الذي كان في مدينة عربين بغوطة دمشق الشرقية لدى سماعه أصوات صواريخ غريبة من نوعها ليلة الواحد والعشرين من أغسطس/آب 2013، لم يخامره الشك بحدث مختلف عن القصف اليومي الذي اعتادته الغوطة، لكن الصور التي بدأت تصل بعد عشرين دقيقة للمركز الإعلامي بعربين، حيث يعمل، كانت "الصدمة الأكبر" بالنسبة له.

عشرات الجثث في النقطة الطبية لعربين التي استقبلت المصابين على الفور، أطفال يختنقون والكل يقف عاجزاً عن إنقاذهم، عائلات بأكملها لقيت حتفها، هي بعض الصور التي لا تزال ماثلة في ذهن أبي نادر، الذي توجّه على الفور إلى زملكا -إحدى المدن المستهدفة- في محاولة لإسعاف المصابين، ليصدم بمشاهد أكثر ترويعاً، فهناك منازل تضم عشرات السكان لم يخرج منها أحد على قيد الحياة، ومصابون مستلقون في الطرق بانتظار من يسعفهم.

ومع حلول السابعة صباحاً، اشتد قصف قوات النظام بمختلف أنواع الأسلحة، مما عطل عمليات الإنقاذ، حتى أحصت نقطة عربين الطبية 600 مصاب حتى الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي.

وتابع أبو نادر خلال شهادته للجزيرة نت "استمر انتشال الجثث أياماً عدة، وتفرقت جثث العائلات بين نقاط طبية عديدة"، وأخذ يروي لنا قصص أشخاص جاؤوا بحثا عن أقاربهم، ليجدوا صور بعض أطفالهم في عربين، وأطفالا آخرين في دوما، مضيفا "هي ذكريات أشبه بالحلم أو الكذبة التي لا يمكن تصديقها".

وفي تلك النقطة الطبية، بقي العاملون الإنسانيون ينتظرون حضور أفراد من العائلات المنكوبة للتعرف على الجثث واستلامها. وفي نهاية اليوم، دُفنت بقية الجثث التي لم يتعرف عليها أحد في مقابر جماعية.

وبحسب رواية شاهد آخر يدعى أبو حاتم، لم يصل سوى ثلث المصابين للنقاط الطبية بسبب الازدحام وصعوبة الإسعاف، حيث نقل البقية لمستودعات وأقبية، ومنهم من أسعف على قارعة الطريق، كالطفل لؤي الذي يبلغ اليوم من العمر أحد عشر عاما.

لؤي الذي فقد والدته واثنين من إخوته في ذلك اليوم، لا يذكر سوى سقوطه على الأرض عاجزاً عن التنفس بعد استهداف زملكا، ثم حمله والده إلى الطريق حيث استلقت العائلة بانتظار الإسعاف، ولفظت الأم وولداها أنفاسهم الأخيرة.

ضحايا مجزرة دوما قبل أيام (ناشطون)

تواصل المأساة
ومع استحضار تلك المأساة بعد سنتين، يبدو أن أبا نادر وأبا حاتم وغيرهما كثيرين لم يلمسوا أي تغير في حياتهم الصعبة، بل يؤكدون أن وطأة الحصار والقصف تشتد، وأن الموت بكافة أشكاله أضحى زائراً يومياً يقتلهم بالقصف والجوع والبرد.

وتقول أم طارق التي فقدت زوجها ذلك اليوم إنها لا تزال تعيش مع أطفالها الثلاثة داخل الغوطة، أما "القاتل فلا يزال حراً طليقاً ويستمر في الحصار والتجويع".

وتضيف أنها تعيش مع أطفالها بوجبة واحدة يوميا، وأن محاولاتها المتكررة للخروج من الغوطة باءت بالفشل، فهي بحاجة لدفع مبالغ طائلة كرشى للجنود في الحواجز كي يسمحوا لها بالمرور.

ولا يختلف توصيف هذا الجحيم كثيراً لدى محمد الذي كان شاهداً على المجزرة، إذ يرى أن "الأشكال تعددت والموت واحد"، وأن الغوطة لم تعرف طعم الراحة منذ أكثر من عامين.

ويضيف "في الوقت الذي يخطط فيه الناس لمستقبلهم ويرسمون أحلامهم، يحلم أطفالنا بألعاب وأماكن لم يزورها من قبل، ونحلم نحن بيوم واحد فقط دون قصف".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة