سولجينيتسين يختفي بعد صدور كتابه 200 عام   
الثلاثاء 19/3/1424 هـ - الموافق 20/5/2003 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

أشرف الصباغ*

سولجينيتسين (الجزيرة)
عقب صدور الجزء الثاني من كتابه "200 عام معا" الذي أثار ردود أفعال حادة اختفى الكاتب الروسي ألكسندر سولجينيتسين صاحب نوبل (1970) عن وسائل الإعلام الروسية، أو بالأحرى غيّبته وسائل الإعلام.

ورغم تأكيدات مصادر عديدة من بين المقربين من الكاتب أنه في حالة جيدة وليس هناك أي تهديد لحياته، فإن راديو "صدى موسكو" أكد حينها أن سولجينيتسين الذي يبلغ من العمر 84 عاما -قضى منها 20 عاما في المنفى خارج الاتحاد السوفياتي (1974-1994)- دخل المستشفى وسط تكتم شديد.

فبمجرد صدور الطبعة الأولى لهذا الجزء من كتاب "200 عام معا: 1795-1995" وجدت وسائل الإعلام الروسية التابعة للكتل والتنظيمات الصهيونية في روسيا ضحية جديدة لتبرير وجودها ونشاطاتها.

ويتناول الكاتب في هذا الجزء من الكتاب علاقة الروس باليهود على مدار ما يقرب من قرنين كاملين. واستخدم الكاتب من أجل ذلك 170 مرجعا تاريخيا وعلميا.

أثار نبأ خروج مثل هذا الكتاب إلى النور ضجة هائلة في روسيا بشكل عام نظرا لتحريم مناقشة هذا الموضوع بالذات، وفي أوساط القوميين الروس واليهود في روسيا وإسرائيل على وجه الخصوص. وقبيل ظهور الكتاب في دار "الطريق الروسي" بشهر واحد صدر حوالي 40 مقالا ودراسة (أي ما يقرب من حجم الكتاب تقريبا) عما يسمى بـ"المسألة اليهودية" في روسيا وتوقعات كتّابها عن مادة الكتاب.

وخلال عام ونصف تقريبا -وهى الفترة الفاصلة بين صدور الجزأين بلغ حجم المادة المكتوبة عن الجزء الأول أكثر من أربعة أضعاف حجم الكتاب الأصلي، وتعرض القدر الأكبر من هذه المواد النقدية إلى الهجوم الحاد على سولجينيتسين والذي بدأ من انتقاد أسلوب الكتابة وأسلوب البحث إلى انتقاد المنهج والحجج التاريخية والاتهام بالخبل (مثلما اتهموا من قبل غوغول وديستويفسكي وتولستوي)، فاتهمه البعض بأنه سرق أسلوب كرامزين، ورأى البعض الآخر أن الكتاب ليس بحثا تاريخيا وإنما مجرد حكايات من وجهة نظر شخصية وذاتية جدا لأحد "الأدباء" الكبار السن.

ورغم العدد الهائل من المراجع التاريخية الذي استخدمه الكاتب فإن العديد من وسائل الإعلام لا تزال تروج لعدم علمية الكتاب، وبأنه مجرد تداعيات "رجل عجوز".

وعلى الجانب الآخر رأى بعض الكتاب والنقاد الروس من التيار القومي أن سولجينيتسين استطاع أن يجمل تاريخ علاقة الروس باليهود في روسيا خلال قرنين كاملين، ويلقي الضوء على المنعطفات التي لا تزال موجودة، وأعربوا في سخرية مرة عن مخاوفهم لتعرض الكاتب لمحرقة اللوبي الصهيوني العالمي ووضعه في قائمة ما يسمى بـ"معاداة السامية".

وأعرب الباحثون الروس بشكل عام عن ترحيبهم بمثل هذا الجهد العلمي -رغم اختلاف الكثيرين منهم مع بعض وجهات النظر الواردة في الكتاب- الذي ناقش فيه سولجينيتسين أوضاع اليهود في روسيا مقارنا هذه الأوضاع بأوضاع الروس في روسيا! مبرهنا بذلك على عدم صحة الأرقام التي يعتمدها اليهود في كتبهم وموسوعاتهم عن عدد الضحايا الذين راحوا بسبب ما سمي بالصدامات الروسية اليهودية في روسيا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والتي يطلق عليها اليهود "المذابح" (بوغرومي).

الجزء الأول من كتاب "200 عام معا" فضح ولع اليهود والمؤسسات الصهيونية العالمية بلعبة الأرقام المبالغ فيها، الأمر الذي يدفع القارئ العادي -على ضوء ما ورد في كتاب سولجينيتسين- إلى التفكير بجدية في ادعاءات اليهود بشأن أرقام ما يسمى بـ"الهولوكست"، والأرقام الأخرى الكاذبة التي يعتمدونها ويروجون لها كما جاء الفصل السابع بكامله تحت عنوان "ولادة الصهيونية" عن ظروف ولادة الصهيونية وملابسات تطورها.

وبطريقة سلسة وهادئة للغاية يدافع سولجينيتسين عن الكتّاب الروس الذين تناولوا المسألة اليهودية في روسيا ووقعوا ضحية لاتهامات اللوبي الصهيوني العالمي مثل فاسييلي شولغين وفيودر ديستويفسكي وإيفان أكساكوف. وعلى الرغم من أنه استخدم في كتابه نبرة هادئة تجاه اليهود مثلما استخدم ديستويفسكي في مقاله الرائع "المسألة اليهودية" منذ أكثر من 100 عام، وكذلك شولغين في كتابة الهام "ما لا يعجبنا فيهم" منذ أكثر من 100 عام أيضا، فإن الكتاب يعتبر ردا عاما وشاملا وموضوعيا على ما يسمى بـ"المسألة اليهودية" والذي يمكن أن يتعرض بسببه صاحب نوبل الروسي إلى العقاب الشديد واللعنة الأبدية مثل أبناء جلدته الذين حاولوا فك طلاسم الخرافات اليهودية.

وبصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف على عظمة أعماله الأدبية والفكرية والسياسية، فهو بلا شك سليل تولستوي وديستويفسكي وشولوخوف وجوركي، إلا أن سولجينيتسين يتميز بمجموعة من الصفات الأخرى تبدو في نظر النقاد وباحثي التاريخ الروسي أمورا سيئة تضر بسمعة الكاتب وتقلل من شأنه (وبالذات الكاتب الروسي الذي لا ينفصل فيه المبدع عن السياسي والمفكر والفيلسوف والشخصية الاجتماعية الموجودة على الدوام بين الناس).

سولجينيتسين معروف بآرائه الحادة والمتناقضة. وكما وصفه الناقد المتخصص في الأدب الروسي وأعمال مكسيم جوركي على وجه الخصوص البروفيسور فاديم بارانوف قائلا "أخطر عيوب سولجينيتسين أنه أذنِيُّ"، أي يعمل بأذنيه، فهو يحب الاستماع إلى الشائعات والأقاويل، والتلصص على أخبار الغير وبعد ذلك يبني آراءه على تلك الأقاويل مهما كان قائلها ومهما كانت مجانبة للصواب.

وفي آخر تصريحاته الساخنة أعلن سولجينيتسين أنه ضد نظام الأحزاب، لأنها لا تفعل شيئا لصالح المجتمع، وإنما تلعب لصالح نفسها وأعضائها وتسعى للوصول إلى السلطة مهما كلف الأمر.

وقال أيضا "لا يجب أن تصرف الدولة على الأحزاب، لأنها مؤسسات أنانية وانتهازية"، وفى الوقت نفسه قال الكاتب الروسي "يجب تشكيل مؤسسات اجتماعية تخصصية فئوية تدافع عن مصالح الناس وتضمن لهم الحرية في الحياة".

والمثير أن الكاتب الروسي الكبير كان في فترة من فترات حياته ضحية هذه الآراء بالذات، ولم يدافع عنه سوى الأحزاب الديمقراطية في الغرب وبالذات في فرنسا والولايات المتحدة الأميركية. وبعد أن عاد نهائيا من هجرته إلى الخارج بدأ يطلق تصريحات في غاية الخطورة والتناقض.

الأمر الآخر الأخطر أن سولجينيتسين كان من أشد أنصار خروج الجيش الروسي من الشيشان, بل صال وجال في أنحاء روسيا مناديا بترك الشيشان لتحدد مصيرها بنفسها، وسحب الجيش الروسي من هذه الأراضي الغريبة إلا أن الكاتب وكعادته تراجع مؤخرا عن آرائه بشأن الشيشان، وأصبح من أشد أنصار تأديب هذا الشعب وإعادته إلى الحظيرة الروسية مهما كلف الأمر.

والأخطر من هذا وذاك أن روسيا أصدرت قانونا في عام 1996 بإلغاء حكم الإعدام من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الذي اشترط على موسكو تنفيذ البروتوكول رقم 6 من الميثاق الأوروبي والخاص بإلغاء أحكام الإعدام لكن سولجينيتسين صرح مؤخرا بأنه ضد إلغاء هذا الحكم وبالذات في حق المقاتلين الشيشان واصفا إياهم بالإرهابيين.

أما بخصوص الغرب الذي دافع في يوم من الأيام عن سولجينيتسين ووفر له الملجأ والحماية طوال سنوات عديدة فقد قال عنه الكاتب "الغرب لم يعان مما عانيناه أو نعانيه، وبالتالي لا يمكنه أن يعلمنا أو يحاكمنا على شيء".

ومن الواضح أن الكاتب الروسي تعرض لضغوط شديدة في الـ18 شهرا الماضية، بدأت بتجاهل إعلامي وانتهت بإنذارات ضمنية بـ"التأديب". بل ومن الممكن أن ندرك ذلك من الكم الهائل من المقالات التي كتبت عن الجزء الأول وتضمنت ألفاظا أقرب إلى السب والتلميح بما يسمى "معاداة السامية". وبمجرد صدور الجزء الثاني رأت بعض الأوساط أن سولجينيتسين قد خضع للتهديدات وخفف من حدة هجومه على اليهود.

غير أن سولجينيتسين رغم تناقضاته الكثيرة أبعد ما يكون عن التملق والمحاباة سواء لليهود أو لغيرهم، فقد كتب الناقد المعروف في صحيفة "ليتيراتورنايا غازيتا" الأسبوعية بافل باسينسكى أن سولجينيتسين "سلط في الجزء الثاني من كتابه الضوء على أوضاع اليهود الروس من بداية القرن العشرين إلى أيامنا هذه، ورغم النبرة الحماسية العامة للكتاب فإن الباحث التاريخي الصادق يقف بوضوح خلف ما هو مكتوب".

وتابع "وسولجينيتسين لم يكن أبدا سولجينيتسين لو كتب مؤلفا علميا خالصا مائة بالمائة، وهو لا يخفي عموما أهدافه الاجتماعية وموقفه القومي. إن الكتاب عبارة عن نظرة إلى العلاقات الروسية اليهودية بعيون أحد ممثلي القومية الروسية، وهو نظرة من الداخل، ولكنها نظرة ليست من خارج إطار المفاهيم القومية".

أما الكاتب فقد قال في أحاديثه عن هدف الكتاب "يجب أن يفهم بعضنا بعضا.. ينبغي أن يشعر بعضنا ببعض.. إنني بهذا الكتاب أريد أن أمد يدي بالتفاهم المتبادل على مدى مستقبلنا كله.. ولكن ألا يجب أن يكون هذا التفاهم متبادلا!".

وتكشف هذه الكلمات عن مدى المعاناة التي يعيشها الكاتب الروسي وهو يرى روسيا الواسعة تنهب يوميا، فهي تأتي كرجاء لـ"الآخر" أن يمد يده هو أيضا بالتفاهم والحب والاحترام، وألا يظل يطالب الآخرين بالتفهم وتقديم التنازلات تلو الأخرى في حين يواصل هو أهواءه ونزواته وتحقيق خططه وسياساته من دون الالتفات إلى الآخرين وكأنه يعيد ويذكر القارئ بما كتبه ديستويفسكي منذ أكثر من 100 عام.
___________________
*كاتب عربي مقيم في روسيا

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة