أرخبيل الألفة والمسرات.. مؤانسة وعرفان بحضرة الطيب صالح   
الجمعة 24/2/1430 هـ - الموافق 20/2/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:39 (مكة المكرمة)، 13:39 (غرينتش)
 

محمد الربيع محمد صالح
 
"عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة، سبعة أعوام على وجه التحديد كنت خلالها أتعلم في أوروبا، تعلمت الكثير وغاب عني الكثير، لكن تلك قصة أخرى. المهم أنني عدت وبي شوق عظيم إلى أهلي في تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل، سبعة أعوام وأنا أحن اليهم وأحلم بهم، ولما جئتهم كانت لحظة عجيبة أن وجدتني حقيقة قائمة بينهم، فرحوا بي وضجوا حولي، ولم يمض وقت طويل حتى أحسست كأن ثلجا يذوب في دخيلتي، فكأنني مقرور طلعت عليه الشمس ذاك دفء الحياة في العشيرة".

يمثل هذا المشهد الاستهلالي لرواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للروائي السوداني الكبير الطيب صالح، والذي جاء على لسان الراوي، مدخلا واسعا للتأمل والحوار حول تجربته الروائية والفكرية وشخصيته الإنسانية، فالألفة هي كلمة السر في اللوحة البيانية لمشروعه الثقافي والجمالي ولعلاقته مع الوجود.
 
وأعماله الروائية والقصصية "موسم الهجرة إلى الشمال وعرس الزين، ويندر شاه بجزأيها ضو البيت ومريود، ودومة ود حامد" تشكل أرشيفاً للوجود الحميم وللألفة المهددة بالتمزق والشرور.
 
فإلى جانب العذوبة الواضحة والحميمية الغامرة للتفاصيل الإنسانية فيها، يعتمد الطيب صالح تكنيكاً جمالياً يستمد عمقه من بساطة آسرة في بناء المشاهد، أشبه ما تكون بعملية توثيق تلقائية للحظات مركزية في الوجود الحميم للمجتمع السوداني، ممثلا في جلسات الأنس والسمر والتعاضد الاجتماعي في المسرات والأحزان والنُّصرة في الملمات.

الإصغاء لنداءات الحنان
 قال لي الطيب صالح حين سألته عن سر جماليات هذا البناء "إنه نوع من الإصغاء لنداءات الحنان التي يبثها هذا العالم، الذي اعتبر نفسي مجرد وسيط وناقل له".
 
والحوار مع الطيب الصالح لا يأخذ مداه في الأريحية والجمال إلا حين يقبس من هذه العوالم ناره، لأنه لا ينظر إلى التفاصيل في هذه الحياة بوصفها جزراً معزولة عن بعضها بعضا، بل يكونها أرخبيلاً اجتماعياً وثقافياً مفتوح الأبواب والنوافذ والممرات في وحدة وجود إنسانية على قاعدة الأُلفة، وهو يراه مثل كوم "القمح الذي تنطوي كل حبة منه على سر عظيم" مشيراً إلى مشهد زواج ضو البيت في رواية "بندر شاه" الذي كان حفلا أمّه جميع الناس بمختلف مناشئهم العرقية ومواقعهم الطبقية, وصورة المرأة التي زغردت تحت وقع هذا الإحساس الجماعي بالألفة، والتي كانت زغرودتها تعبيراً عن كونها جزءاً من هذا الجسم, لا يتحقق انتماؤها إليه إلا عندما يدخل صوتها مع بقية الأصوات.

التنويع على لحن الإلفة
كل شيء في حياة الطيب صالح هو تنويع على لحن الألفة: حياته الوظيفية، علاقاته الإنسانية، تأملاته النقدية، إبداعه الروائي. فهي الناظم الوجودي لهذا الأرخبيل، وفي معرض المؤانسة حول هذه التجربة التي طوفنا فيها على إنتاجه الإبداعي، سألته عن سر التوسع والامتداد والانتقال الذي حدث في المشهد الروائي لملامح شخصيات مثل مريود ومريوم وبندر شاه، من مسرحها الأساسي على منحنى النيل في السودان إلى قطر في مسرح فني جديد هو قصة "يوم مبارك على شاطئ أم باب" التي تدور في البحر وتتقاطع فيها مصائر الشخصيات وصراع معسكرات الخير والشر.. إلخ، فقال لي "كتبت هذا النص وجعلت مشاهده تدور في البحر رغم أنني ولدت قرب النهر وربما أعطيته هنا منزلة النهر بعد أن عرفته عالما مسيطرا خلال أسفاري، وأصبحت دلالته عندي ترتبط بالتئام الأمور واجتماعها وجلب العناصر إلى جانب دلالات الإطلاق واللانهائية، ومن الجائز أن أكون قد نقلت دون أن أشعر أصداء بعض الشخصيات مثل مريم في رواية مريود إلى رباب في قصة يوم مبارك على شاطئ أم باب".
 
وأجمل الطيب صالح شهادته عن قصة يوم مبارك بقوله: ربما كتبتها خاضعا لإحساس خفي أن العالم الوادع المطمئن للخليج مهدد بما يجلب له القلق.

والتعابير التي استخدمها في تلخيصه للبناء الجمالي لقصته وللعناصر والعلامات التي تعمل في نسيجها تدل بشكل واضح على قاموس الألفة الذي يسكن أعماقه ومشروعه مثل: وادع، مطمئن، مهدد، يجلب القلق.. إلخ.
 
وهيمنة هذا القاموس تتجلى في الأشكال والأطر البسيطة والحميمة التي يضع فيها مادته الفكرية والثقافية وتأملاته الجوهرية والعميقة، في مناطق معقدة من الفكر الإنساني مثل مقالاته العذبة بمجلة المجلة، بعنوان الإقامة في ويمبلدون, التي كشف فيها عن الحوار الإنساني العميق الذي يدور بينه وزوجته السيدة الأسكتلندية، والذي هو حوار أمزجة وطرائف مختلفة في التفكير، حولتها المودة إلى طيف جميل من المشاعر، ومجال إنساني لا يلغي فيه أحد الآخر.
 
وقد عبر بشفافية في حديثه إلي حين سألته عن الصعوبات التي يواجهها أحيانا نتيجة لهذا الاختلاف في الثقافة والمزاج قائلا: الأمر ليس سهلا في كل الاوقات, لكنها امرأة في غاية الطيبة, ومتفهمة وهبتني ثلاث بنات جميلات وأظن أن أفضل ما فعلتُ هو أنني فكرت منذ البداية أن أي محاولة لسودنتها ستكون مضرة بها وبي، فقبلتها كما هي وقبلتني كما أنا".
 
أبو العلاء شاعر وليس فيلسوفا
وعلى النسق نفسه والطريقة ذاتها، قدم قراءة عارفة وناقدة للإبداع الألماني في مقالاته "الإقامة في فايمار" واحتفظ بالتقليد ذاته في محاضرته عن أبي العلاء شاعراً في خيمة البرنامج الثقافي لمعرض الدوحة للكتاب، فاتخذ المؤانسة مدخلا إلى أسماع ووجدان الحضور، واللغة العذبة بسيطة الجرس عميقة الدلالة لمناقشة أكثر الأفكار تعقيدا، وليحاجج الدكتور طه حسين نافيا عن أبي العلاء الفلسفة التي أثبتها له ومؤكدا أنه شاعر أولا وأخيرا، معززا منطقه بإرسال العلامات الدالة على مركزية الشعر في تجربة أبي العلاء، ومبينا ًموقعه في المثلث الذهبي العربي (المتنبي والمعري وأبو نواس).
 
ولم ينس وهو يختتم حديثه عن شعرية أبي العلاء الإشارة إلى سؤال الأفة في قصيدة أبي العلاء التي يقول فيها: 
 طربن لضوء البارق المتعالي      ببغداد وهناً ما لهن ومالي  
 إذا لاح إيماض سترت وجوهها  كأني عمرو والمطي سعالي
 
قائلا: إنها قصيدة باذخة الجمال ونص بليغ يضيء أحوالنا المعاصرة، حيث الناس مثل إبل أبي العلاء تريد عالما أليفا، ويصر الناس على إحاطتها بالنوازع المادية، التشكيل والرواية.
 
ولا تكتمل هذه الكلمة حول المؤانسة والعرفان في حضرة الطيب صالح، دون الإشارة إلى تداعياته في الإجابة عن سؤالي حول علاقته شخصيا بأجناس الإبداع الأخرى وتجلّيها في كتابته وخصوصا علاقته بالموسيقى والتي قال فيها "إن الفنون جميعا تتجاوز، وتتحاور، وتؤثر في تجربة الفنان وخبرته الإبداعية، لكن التشكيل والموسيقى يأخذان أرجحية وخصوصية عندي خاصة تجربتي مع الفنان التشكيلي الكبير إبراهيم الصلحي الذي فتحت لي رسومه بعض الآفاق في الرواية، وفتحت له رواياتي بعض الآفاق في التشكيل، وقد انتبه الشاعر توفيق صائغ رحمه الله إلى ذلك مبكراً، فكلف الصلحي بعمل الرسوم للطبعة الأولى من "عرس الزين" التي أصدرتها دار الحوار، فجاءت تحفة فنية".

موسيقى الجاز
"أما الموسيقى فقد مكنتني تجربتي مع (بي بي سي) في الاستماع والتعرف على موسيقى من كل أنحاء العالم، ووجدت أنني أحب موسيقى الجاز خاصة أغنيات الفنانة العظيمة سيرا بون، التي يترقرق صوتها كالفضة المذابة وهي تغني تجربة وجودية وجمالية عظيمة، يشاركها في التعبير عنها مغنون كبار أسسوا للمعطى الحضاري الأبرز لأميركا (موسيقى الجاز) أمثال ماهيلا جاكسون وإد فيزجرالد ولوي آرمسترونغ وراي شارلس.
 
أما تجلي الموسيقى في إبداعه فقال عنها: لقد نشأت في منطقة تمثل المدائح للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بإيقاعاتها وأنغامها وإيقاعات الطمبور "الربابة" جزءا أصيلا من عمارة الوجدان، ولا بد أن شيئا من ذلك تسرب من لا وعيي إلى عمارتي اللغوية والتعبيرية. لقد طوف بنا المبدع الكبير الطيب صالح في أرخبيل من الألفة والمسرات في حضرته العذبة بين آلاء المؤانسة والعرفان.
 
*أقيم الحوار المشار إليه في النص بالدوحة بقطر سنة 2005 م. 
--------------------
ناقد وكاتب سوداني
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة