مستشار رئيس الإمارات يدعو لتوسيع حوار الأديان   
الأربعاء 1429/6/15 هـ - الموافق 18/6/2008 م (آخر تحديث) الساعة 23:25 (مكة المكرمة)، 20:25 (غرينتش)

عز الدين إبراهيم: الحوار المنشود حوار فسيح الأفق والنظرة فيه إنسانية عالمية شاملة (الجزيرة نت)

تولى الدكتور عز الدين إبراهيم المستشار الثقافي لرئيس دولة الإمارات رئاسة لجنة صياغة المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار الذي انعقد في مكة المكرمة مؤخرا بمشاركة أكثر من 600 عالم ومفكر إسلامي يمثلون العالم الإسلامي بجميع مذاهبه، وطرح في جلسات المؤتمر رؤية واسعة الأفق للحوار مع الآخرين أثارت حفيظة البعض.

والتقت الجزيرة نت الدكتور عز الدين إبراهيم في مكتبته في أبو ظبي، وحاورته حول رؤيته للحوار مع الآخر، والجديد الذي قدمه مؤتمر مكة للحوار مع أتباع الأديان والثقافات الأخرى، ومع من نتحاور، وما أنواع الحوار المنشودة، وفيما يلي نص الحوار.

حوار: جهاد الكردي-أبوظبي

ما الجديد الذي أضافه المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار في مكة إلى مؤتمرات الحوار بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى، ولماذا حظي باهتمام كبير عالميا؟

الحوار بين المسلمين وغيرهم واقع بكثرة في الأربعين سنة الماضية ولكن الجديد في مؤتمر مكة هو جملة أمور:

  • "
    التقارب هو تعايش بلا تكفير ولا اعتداء ولا خصومة، أما التقريب فأمر علمي يترك للمختصين، ولهم أن يتكلموا فيه حتى يحكم الله بينهم فيما هم فيه مختلفون يوم الدين
    "
    أولها
    أن معظم الحوارات السابقة كانت بمنزلة ردود فعل لمبادرات جاءت من الغرب، وعلى وجه التحديد من الفاتيكان ومجمع الكنائس العالمية في جنيف.

    أما هذا الحوار فهو بمبادرة إسلامية من خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، الذي ذكر أنه هاله وأزعجته الصورة المسيئة للإسلام والمسلمين في عيون الغرب، ووقوع احتكاكات بين الطرفين تمثلت في كتابات ومحاضرات غير منصفة وغير عادلة ما يستوجب العمل بجد على إيضاح الصورة الصحيحة للإسلام.

    كما هاله وصول الأوضاع الخلقية في العالم خاصة فيما يتعلق بالأسرة والأطفال إلى درجة سيئة، ما يستوجب العمل على تأكيد القيم الخلقية وأن تتعاون الأديان في هذا الاتجاه.

    وأعتقد أن خادم الحرمين الشريفين يتابع المؤتمر بعزيمة صادقة وبأفق منفتح وبإمكانيات غير محدودة، والمعروف عن السعودية أنها دولة إسلامية محافظة، فحين تأتي المبادرة منها برعاية ملكها يكون لذلك أثر كبير.

    وثانيها أن المشاركين في المؤتمر، وكلهم مسلمون، حضروا لتأكيد مشروعية الحوار في مواجهة بعض المعارضين له والمتشككين في جدواه، والمشاركون مثلوا العالم الإسلامي بمجموعه وبجميع مذاهبه، وهذا يحدث لأول مرة.

    ولذلك فإن العالم تعامل مع هذا المؤتمر بجدية لأنه صوت العالم الإسلامي كله، علما بأن المسيحيين المشتغلين بالحوار تنقصهم صفة التمثيل الشامل، فالفاتيكان يتحاور باسم الكاثوليكية، ومجمع الكنائس المسيحية يتحاور باسم الكنائس الأخرى غير الكاثوليكية، ولاشك بأن الحوار باسم الجميع هو أقوى من الحوار باسم البعض فقط.
  • وثالثها أن القرارات التي انبثقت عن هذا المؤتمر قد اشتملت على آليات للمتابعة، إذ ليس المقصود التوقف عند إصدار بيان، وإنما يلزم تحديد خطوات تنفيذية للمتابعة، وهناك آليات تنفيذية كثيرة للمتابعة سيعلن عنها قريبا.

إذا كان المقصود من مؤتمر مكة توحيد وجهات نظر المسلمين والتخطيط للمستقبل قبل بدء الحوار مع الغير، فمن هؤلاء الذين ستتحاورون معهم؟

"
طريق الحوار مع المسيحيين مفتوح بلا حرج، أما طريق الحوار مع اليهود فتتلبسه إشكاليات سياسية
"
الخطوة الأولى في الحوار هي الحوار مع أهل الكتاب، خاصة المسيحيين منهم، لأن طريق الحوار مع المسيحيين مفتوح بلا حرج، أما طريق الحوار مع اليهود فتتلبسه إشكاليات سياسية، إذ يصعب التمييز بين اليهودي والصهيوني، كما يصعب الحوار مع الذين يمارسون الاعتداء على الأرض والبشر يوميا في فلسطين، وقد يفسر الحوار معهم في هذه الحالة تفسيرا خاطئا.

وإننا لا نجد حرجا في مواجهة اليهود وأتباع التوراة، ولكننا نجد بعض الصعوبات في الحوار مع المحاربين، إلا بشروط تجعل اللقاء مقبولا وغير مختلط بالتفسيرات غير المقصودة، فلا يقال مثلا هذا حوار للتطبيع، أو هذا حوار لقبول الأمر الواقع، فالمسلمون لا يفكرون في هذا الأمر، ولكنهم مستعدون وراغبون في الحوار إذا كانت النوايا حسنة. وكان المتحاورون غير متعصبين لصهيونيتهم واعتداءاتهم وتجاهلهم لحقوق الفلسطينيين.

كما نخطط في الخطوة الثانية للحوار مع ممثلي الحضارات والثقافات والإيديولوجيات السائدة في العالم، لأن وجودهم يحتم الحوار معهم، والمقصود في النهاية تقارب البشر، وتحقيق السلام بين الناس.

ثم تأتي الخطوة الثالثة التي قد تبدو غريبة وهي الحوار مع أصحاب الديانات غير الإبراهيمية خاصة البوذيين والهندوس، ومن هذا يتضح أن الحوار المنشود حوار فسيح الأفق والنظرة فيه إنسانية عالمية شاملة.

تعالت أصوات كثيرة أثناء انعقاد المؤتمر أهمها صوت الرئيس الإيراني السابق علي أكبر هاشمي رافسنجاني بضرورة البدء بالحوار أولا بين المسلمين بعضهم وبعض، فما تصورك لمستقبل الحوار السني الشيعي؟

من غير المعقول أن نتحاور مع غير المسلمين وأن نترك إخواننا المسلمين لبعض الخلافات الجزئية، فالسنة والشيعة معا يؤمنون بالله، ويتبعون الرسول الكريم، ويؤمنون بشريعة الإسلام.

وأما القرآن فلا خلاف فيه لأن نصه قد حفظه الله، فلا يوجد فارق بين المسلمين حول حرف واحد منه.

وأما تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم فلا خلاف في ضرورة اتباعها بين الطرفين، غير أن السنة قد دونوا الأحاديث النبوية في ستة كتب، بينما دونها الشيعة في أربعة كتب أخرى.

"
تحققت خطوات كثيرة حسنة في التقريب بين المذاهب الإسلامية، والمفروض أن نتابع هذه الخطوات كي نصل إلى وحدة الأمة، على الأقل في الأساسيات
"
ويظن الذين لا يعرفون أن ما عندنا نحن السنة يختلف عما عند الشيعة، والحقيقة أن من يقرأ هذه الكتب العشرة يجد أن المشترك فيها لا يقل عن 90%، وفي حديث رافسنجاني لا يقل عن 95%، وإنما الخلاف في طريقة الرواية والتدوين، وهذا لا يهم ما دام المضمون واحدا، ثم إنه توجد خلافات في بعض الأحكام الفرعية وهي محتملة، فلماذا لا يتوافق الطرفان؟

وقد قامت في البلاد الإسلامية حركة التقريب بين المذاهب بدأها الشيخ محمد قمي وهو شيعي، وتلقاها في مصر بالترحيب والتأييد مشايخ الأزهر المشهورون، وهم الشيخ محمد مصطفى المراغي ومحمود شلتوت وعبد المجيد سليم وعدد آخر من العلماء.

وقد تحققت خطوات كثيرة حسنة في التقريب، والمفروض أن نتابع هذه الخطوات لكي نصل إلى وحدة الأمة على الأقل في الأساسيات، مع التسامح في بعض الفرعيات.

وهنا يجب أن نفرق بين ما قد يوجد بين إيران الشيعية وبعض الدول العربية من خلافات سياسية ومسألة الخلافات المذهبية، فالأولى مؤقتة وحلها ممكن، أما الخلافات المذهبية فهي تمس الهوية المذهبية لكل من الجهتين، وهي أعمق.

وإذا كان ساسة الصين قد نجحوا في التعايش مع هونغ كونغ وانتهوا إلى صيغة نظامين مختلفين في دولة واحدة، فما المانع أن نؤكد مشروعية الخلاف المذهبي مع وحدة الإيمان بالإسلام ووحدة الأمة والأخوة الإسلامية؟ وإن هذا الأمل ليس بعيد المنال.

ونرجو أن يؤدي الحوار دوره في التقارب بين أتباع المذهبين، إذا لم نوفق في التقريب بين أحكام هذين المذهبين، فالتقارب هو تعايش بلا تكفير ولا اعتداء ولا خصومة، أما التقريب فأمر علمي يترك للمختصين، ولهم أن يتكلموا فيه حتى يحكم الله بينهم فيما هم فيه مختلفون يوم الدين.

لماذا الحوار في الوقت الحالي مع أتباع الديانات غير الإبراهيمية، وما الحكمة من ورائه؟

لا بد من التفكير بأننا بشر نعيش فوق كوكب الأرض ونحن كمسلمين نمثل ما بين 20% و30% من عدد سكانه، بينما المسيحيون أكثر منا عددا، ويوجد في الهند والصين وحدهما حوالي 40% من السكان، فكيف نتنكر لهذا العدد الضخم من البشر؟

ثم إن الذين يتبعون البوذية أو الهندوسية أو ما يتفرع عنهما من الذي يدري إذا كان قد جاءهم رسول، أو أنزل عليهم كتاب ونسوه، والله يقول في القرآن الكريم "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا"، وقال "ورسلا لم نقصصهم عليك"، ولربما كان بوذا واحدا منهم.

"
الحوار لا يقصد به توحيد الأديان، فإن هذا مستحيل إلا بأمر وهداية من الله، لا نعرف موعدها هل تحصل أم لا، وإنما المقصود هو أن نتعايش معا
"
وأخيرا نحن محكومون بعموم قول الله تعالى "لكم دينكم ولي دين"، وهذه الآية الرائعة قال عنها الأصوليون المفسرون إنها آية محكمة غير منسوخة، وعامة غير مخصصة، أي أنها لعموم التعايش مع جميع الأديان، وليس فقط دين قريش الذي كان السبب المباشر في نزول الآية.

وأخيرا لنا في رسول الله قدوة حسنة، فقد سئل عن ذبيحة المجوس وهم ليسوا من أهل الكتاب فهل تجوز للمسلمين، فقال فيما أخرجه الإمام مالك بن أنس في "الموطأ" "سنوا بهم سنة أهل الكتاب"، أي عاملوهم بما تعاملون به أهل الكتاب، وقد بينت بعض الروايات التي أتي بها هذا الحديث العلة التي ذكرناها وهي أنه ربما كان لهم كتاب ونبي.

وبقي أمر مهم هو أن الحوار لا يقصد به توحيد الأديان، فإن هذا مستحيل إلا بأمر وهداية من الله، لا نعرف موعدها هل تحصل أم لا، وإنما المقصود هو أن نتعايش.

ويوجد في الهند ما لا يقل عن 100 مليون من المسلمين المحاطين بالهندوس من كل مكان وهم معهم في كل مكان، أليس من الواجب أن نصل إلى صيغة للتعايش السلمي بين الفريقين؟

ومثل هذا يقال عن 40 مليون مسلم على الأقل في الصين يحيط بهم أكثر من مليار من البشر، أليس من الواجب أن نكفل لهم أمنهم ومعيشتهم بحوار التعايش المشترك؟ فليذهب الهندي البوذي إلى معبده والهندي المسلم إلى مسجده، ولا اعتداء بين أماكن العبادة، وإنما في الحياة اليومية هم جميعا في الهند هنود، وفي الصين صينيون، ولهذا يلزم الحوار.

تبدو متفائلا كثيرا من الحوار رغم أن المتشائمين والمتشككين منه كانوا أكثر عددا في مؤتمر مكة، بل إنكم في أحدث مؤلفاتكم (الحوار الإسلامي المسيحي ما الجدوى وما المستقبل) انتهيت إلى درب التشاؤم؟

لقد أتيح لي أن أشارك في حركة الحوار منذ نشأتها في ستينيات القرن الماضي، وقد بدأت المشاركة متفائلا، ثم صرت متشككا، وانتهيت متشائما.

وهذا ما سجلته في أحدث مؤلفاتي الذي يظن من قرأه وهم كثيرون أنني ضد الحوار، وهذا غير صحيح، وكل الذي فعلته أنني نبهت إلى حوارات فاسدة لا داعي لمتابعتها، مثل الحوارات التبشيرية، والحوارات المسيسة، والحوارات المتمركزة بين الشباب، وحوارات المناظرة وتبادل الجرح والانتقاد وغيرها.

وأنا أؤيد ثلاثة أنواع من الحوارات:

  1. "
    حوارات التعايش والتعاون والمواطنة مقدمة على حوار العقائد وللأسف لا تحظى بالعناية المرجوة
    "
    أولها
    حوار العيش المشترك، أي كيف نحل المشكلات التي تقع بين المسلمين وغيرهم حيثما يكونون ليعيشوا في سلام.
  2. وثانيها حوار التعاون حول القيم المشتركة، أي التعاون فيما تحض عليه الأديان جميعا بلا تفريق، في مواجهة الاستعمار والظلم الاجتماعي والفساد الخلقي والاستغلال الاقتصادي واللامبالاة لمآسي البشر من فقر ومرض وتخلف واحتياج، وهذه القيم المشتركة تدعونا إلى التعاون، لا فرق بين مسلم ومسيحي، وقد تعاونا جميعا كأصحاب ديانات في معارضة الدعاوى القادمة من بعض البلاد بإباحة كل ما يهدم الأسرة، ويفسد العلاقات بين الذكر والأنثى.
  3. وثالثها حوار المواطنة، وأعني به الحوار بين المسلمين المهاجرين إلى أوربا وأميركا وغيرها، الذين يعيشون متمتعين بجنسيات تلك الدول، أي أنهم صاروا مواطنين فيها، فحينئذ يلزم الحوار لتأكيد المواطنة الصادقة بلا نفاق ولا خيانة، مع عدم التفريط في المسلمات كالإيمان وممارسة العبادات.

وهذه ثلاثة أنواع من الحوار التي لا تحظى بالعناية، وهي في نظري مقدمة على الحوار في العقائد الذي يلزم تركه للمتخصصين من العلماء، ولا داعي أن يتورط فيه غيرهم، فإن ذلك مذلة قدم وإذكاء للضغينة والعداوة، ونتيجته غير مضمونة.

تتعدد المؤسسات الإسلامية المعنية بالحوار سواء كانت حكومية أم شعبية، أليس من الأفضل جمعها تحت مظلة واحدة، وكيف ننسق بينها؟

"
ليس من الحكمة إلغاء خصوصية المؤسسات الإسلامية المعنية بالحوار بدعوى انضمامها في فريق واحد، وإنما التنسيق والتعاون بينها هو الأفضل
"
يوجد في العالم الإسلامي مؤسسات مهتمة بالحوار، من أشهرها رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، ومؤتمر العالم الإسلامي في الرياض، ومجمع آل البيت في عمان، ودائرة الحوارات في الأزهر الشريف، وجمعية الدعوة الإسلامية في طرابلس الغرب، وكل ميسر لما خلق له.

وليس من الممكن ولا من الحكمة أن نلغي خصوصية هذه المؤسسات بدعوى أن تنضم في فريق واحد، وإنما يكون التنسيق والتعاون بينها ودوام التفاهم وتذليل العقبات وفي تحقيق المصالح، وهذا ما قرره مؤتمر مكة، إذ دعا المؤتمرون رابطة العالم الإسلامي إلى تحقيق التنسيق بين جميع هذه المؤسسات، وهو أمر ضروري.

_______________
* الدكتور عز الدين إبراهيم رئيس لجنة صياغة المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار، يعمل حاليا مستشارا ثقافيا في وزارة شؤون الرئاسة الإماراتية، وعمل مستشارا للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الرئيس السابق للإمارات لمدة 37 عاما، كما عمل مديرا لجامعة الإمارات لمدة 4 سنوات، وخبيرا فنيا في وزارة التربية القطرية لمدة 7 سنوات، وأستاذا للأدب العربي وطرق التدريس في جامعة الملك سعود بالرياض، ويتولي الإشراف حاليا على إعداد معلمة الفقه الإسلامي.

كما انتهى مؤخرا من ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية بالتعاون مع دينيس جونسون ديفيز أول مترجم بريطاني للأدب العربي، كما ألف عدة كتب وأبحاث وتراجم في الحوار والأحاديث النبوية والقدسية وسيرة الرسول، وله نشاط ثقافي متنوع من خلال رابطة العالم الإسلامي وأقسام الدراسات الإسلامية في عدد من أعرق الجامعات العالمية والمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة