الفتور.. الحاضر الأكبر في الانتخابات الإسرائيلية   
الثلاثاء 13/11/1421 هـ - الموافق 6/2/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)

القدس - إلياس زنانيري
شارون يدلي بصوته
قال ضابط كبير في الجيش الإسرائيلي في جلسة مع بعض مساعديه إن المعارضة الفلسطينية الإسلامية ترغب في فوز مرشح تكتل الليكود أرييل شارون في الانتخابات الإسرائيلية، ليس محبة فيه بطبيعة الحال وإنما كرها في التسوية السلمية.

وقال إن حزب الله مثلا كان يسعى في الأسابيع الماضية لخطف جنود إسرائيليين قبل الانتخابات، وإن حركة حماس في الأراضي الفلسطينية كانت تعد العدة لتهريب سيارة مفخخة إلى قلب إسرائيل، وكل ذلك استدعى قيام السلطات الإسرائيلية بفرض طوق محكم على المناطق الفلسطينية.

هواجس أمنية
ووسط هذه الأجواء جرت الانتخابات الإسرائيلية لاختيار رئيس للوزراء، فيما انتشرت القوات الإسرائيلية بشكل مكثف على مختلف المحاور تحسبا من أي عملية فلسطينية مسلحة تعيد إلى الأذهان الوضع الذي كان سائدا في إسرائيل عشية انتخابات 1996 وهي الانتخابات التي سبقتها موجة من عمليات التفجير التي قامت بها حركتا المقاومة الإسلامية حماس والجهاد الإسلامي في مراكز المدن الرئيسية مثل القدس الغربية وتل أبيب، وكانت نتيجتها فوز مرشح اليمين آنذاك بنيامين نتنياهو.

وبدأت معركة التصويت تماما وكأن كلا الجنرالين السابقين في الجيش الإسرائيلي قد أصدرا أوامرهما إلى قواتهما باحتلال مواقع الطرف الآخر، إذ وصل إلى تقاطعات الطرق الرئيسية على امتداد الدولة العبرية المئات من نشطاء الحزبين الكبيرين في محاولة منهم للتواصل مع الناخبين عبر نشر اليافطات الضخمة التي تدعو للتصويت لصاحب هذا المعسكر أو ذاك.

 مراكز الاقتراع بدت خاوية

وفي المقابل توجه مئات المؤيدين -منهم من عمل متطوعا ومنهم لقاء أجر- إلى أماكن صناديق الاقتراع للتأكد من اقتناع الإسرائيلي العادي في اللحظات الأخيرة قبل إلقاء ورقته في الصندوق بصواب موقف هذا المرشح أو ذاك.

وحتى منتصف النهار وصلت نسبة التصويت إلى حوالي 24% من أصحاب الاقتراع مقارنة مع 32% كانوا صوتوا في الانتخابات الماضية حتى الساعة ذاتها. وقبل خمس ساعات من موعد إغلاق صناديق الاقتراع وصلت نسبة الاقتراع إلى 51% فقط مقابل 63% كانت عليها في الانتخابات الماضية.

وحسب تحليل الأرقام من جانب خبراء إسرائيليين فإن نسبة التصويت النهائية في هذه الانتخابات قد لا تتجاوز حاجز السبعين بالمائة مما يجعل انتخابات فبراير/ شباط عام 2001 صاحبة أقل نسبة تصويت في إسرائيل منذ الخمسينات.

والحالة الشاذة الوحيدة في هذا الوضع الانتخابي كانت نسبة التصويت العالية لدى المستوطنين اليهود في الأراضي العربية المحتلة، إذ بلغت نسبة المصوتين قبل خمس ساعات من إغلاق صناديق الاقتراع 74%.

ولذلك تفسيران: الأول أن المستوطنين لعبوا دورا مركزيا في الحملة الانتخابية لشارون، وهم لذلك مهتمون جدا بنجاح مرشح اليمين. والثاني أن الوضع الأمني وتزايد حوادث إطلاق النار من قبل الفلسطينيين على سيارات المستوطنين ليلا جعلت عددا كبيرا من هؤلاء المستوطنين يتوجهون مبكرا إلى صناديق الاقتراع والانتهاء من هذه المهمة قبل هبوط الظلام.

وعلى العكس من ذلك تماما سكان المدن وخاصة تل أبيب وحيفا حيث اعتاد سكان هذه المدن قضاء يوم الانتخابات -وهو بالمناسبة يوم عطلة رسمية- في الراحة والاستجمام ليختموه ليلا بالتوجه إلى صناديق الاقتراع التي تغلق رسميا في تمام الساعة العاشرة بالتوقيت المحلي (الثامنة بتوقيت غرينتش) .

إحجام فلسطينيي الداخل
وعلى مداخل العديد من المدن العربية في الجليل والمثلث انتشرت قوات الشرطة الإسرائيلية، منها من رابط قريبا من مداخل المدن، ومنها من تمركز في مواقع تطل على المدن العربية، ولكنها تتفادى الاحتكاك المباشر مع المواطنين العرب.
وحتى ساعات ما بعد الظهر لم تتجاوز نسبة العرب المشاركين في الانتخابات نسبة 10 إلى 12% وهي أيضا نسبة متدنية جدا لا يذكر تاريخ الدولة العبرية شبيها لها منذ زمن.

 تظاهرات فلسطينية في يوم الانتخابات الإسرائيلية
كما أقام عدد من الشبان حواجز بالإطارات المشتعلة لعرقلة توجه محتمل للمواطنين العرب لصناديق الاقتراع في محاولة لتثبيت المقاطعة العربية التي دعت إليها غالبية القوى والأحزاب السياسية العربية في الداخل احتجاجا على السياسة التي انتهجتها حكومة إيهود باراك.
 
ويعتبر الكثيرون أن انتخابات هذا العام فرصة حقيقية لعرب 1948 كي يثبتوا قوتهم السياسية باعتبارهم رقما مركزيا في المعادلة الإسرائيلية يصعب على أي كان تجاهله وبالذات قيادة وأعضاء حزب العمل الذي لا يملك تحقيق أغلبية برلمانية حقيقية له في الكنيست بدون الأصوات العربية.

وهناك من يوافق الرأي بأن فلسطينيي الداخل كمن أطلقوا النار على أرجلهم بسبب مقاطعتهم للانتخابات وترجيحهم كفة التنافس لصالح مرشح اليمين أرييل شارون.

ولكن هناك من بين فلسطينيي الداخل أيضا من هو مقتنع تماما أن انتخابات الثلاثاء ليست أكثر من بروفة مسرحية للانتخابات الحقيقية التي ستشهدها إسرائيل قبل نهاية هذا العام، اعتقادا منهم أن شارون سيواجه في حال فوزه وضعا صعبا يعكس ذاته على قوة ائتلافه الحاكم، الأمر الذي سيضطره للاستقالة أو ربما تسقط حكومته في أي فرصة قادمة لحجب الثقة. وعندها فقط يكون الصوت العربي في وضع مؤثر بصورة حقيقية على مجريات المفاوضات الائتلافية، وسيكون العرب في وضع أفضل بكثير يتيح لهم تحديد مطالب مشروعة يتعين على أي مرشح أو حزب التعامل معها بجدية وليس بطريقة الافتراض القائم حتى الآن وهو أن العرب في كل الأحوال هم في جيب اليسار والوسط الإسرائيلي ولا داعي حتى لمجرد التعامل معهم على أساس معاملة الند للند.

مقاطعة لمرة واحدة
ويقول الباحث الدكتور أسعد غانم مدرس العلوم السياسية في جامعة حيفا إن المقاطعة العربية لهذه الانتخابات هي مقاطعة لمرة واحدة، وهي لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن موقف استراتيجي لدى عرب الداخل في مقاطعة الانتخابات على المدى البعيد. وإن الهدف من هذه المقاطعة هو التعبير عن الاحتجاج العربي على سياسة الحكومة الإسرائيلية تجاه المواطنين العرب، وللتأكيد على مجموعة المطالب العادلة التي يطالب بها العرب في إسرائيل منذ قيام الدولة فيما واصلت مؤسسات هذه الدولة تجاهلها من حقبة إلى أخرى.

وعند خيمة احتجاج على مدخل بلدة دالية الكرمل، حيث عدد كبير من مواطنيها يخدمون في الجيش الإسرائيلي ويعتبرون أنفسهم جزءا عضويا من الدولة العبرية التي تعاملهم بالمقابل على أنهم شخصية قومية منفردة تضاف إلى العرب واليهود في التقسيم الديمغرافي الإسرائيلي، تجمع هناك عدد كبير من المواطنين للتأكد من أن أحدا من سكان هذه البلدة الدرزية التي يعرف الواحد منهم الآخر عن قرب، لن يخرق قرار المقاطعة.

وبغض النظر عمن كان سكان دالية الكرمل سيصوتون لصالحه فإن بيت القصيد في احتجاجهم يوم الثلاثاء هو الإحساس بالإهمال من جانب الحكومة الإسرائيلية التي فشلت حتى الآن في معالجة قضاياهم، ولم تكتف بإغلاق مصنع كبير في دالية الكرمل قبل عدة أشهر وإنما تعمل على إغلاق المصنع الوحيد المتبقي لصناعة الباطون بعد حوالي ستة أشهر من اليوم حين تلتئم محكمة إسرائيلية للنظر في الأمر.

وفي القدس العربية ورغم أن سكان القدس المحتلة لا يملكون حق التصويت، فإن السلطات الإسرائيلية نصبت صندوقي اقتراع في المدينة لخدمة بضعة آلاف من مواطني المدينة الفلسطينيين الذين حصلوا بوسيلة أو بأخرى على المواطنة الإسرائيلية. غير أن نصب هذه الصناديق لم يأت بأي نتيجة باستثناء مرابطة قوة من الشرطة الإسرائيلية لحماية الناخب المجهول!

ويهدد انتخاب شارون بإحداث فراغ سياسي وأمني في المنطقة نتيجة وقف العملية السلمية، وهو فراغ يتعين على شارون إيجاد ردود عليه، في الوقت الذي سيفسر فيه أنصار اليمين والليكود أن نتيجة كهذه تعني معارضة الشارع الإسرائيلي للتسوية الشاملة مع الفلسطينيين.

وهي الفكرة ذاتها التي سيحملها الرئيس عرفات والموفدون الفلسطينيون إلى العالم في اليوم التالي لصدور النتائج بهدف تجنيد رأي عام عالمي يقف إلى جانب الفلسطينيين، ويحقق لهم الفوز بالضربة القاضية على الصعيد الإعلامي في حال اندلعت مواجهة قادمة مع "إسرائيل شارون" بعد أن خسروا بالنقاط الجولة الإعلامية في المواجهة العسكرية مع "إسرائيل باراك".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة