"البيانو الشرقي" يكشف غنى التعدد الثقافي   
الخميس 9/1/1437 هـ - الموافق 22/10/2015 م (آخر تحديث) الساعة 13:03 (مكة المكرمة)، 10:03 (غرينتش)
أنطوان جوكي-باريس

بعد صمت استمر سبع سنوات، تطل علينا الرسامة اللبنانية زينة أبي راشد برواية مصورة جديدة صدرت عن دار "كاسترمان" الباريسية تحت عنوان "البيانو الشرقي"، وتستكشف فيها شخصيتها التي تقع بين ثقافتين، وشخصية جدها عبد الله شاهين مبتكر أول بيانو شرقي.

تنطلق أحداث الرواية في بيروت عام 1959 حيث نشاهد عبد الله سعيدا، يفرك عينيه ويحك رأسه بعد استيقاظه على صوت عصفوره لودفيغ. وبسرعة يتبين لنا أن سبب سعادته رسالة استلمها من شركة "هوفمان" النمساوية العريقة تدعوه فيها إلى فيينا من أجل عرض مميزات البيانو الذي ابتكره.

"بيانو مستقيم يشبه جميع البيانوهات الأخرى، إلا أن الدواسة الوسطى فيه التي تخنق عادة الصوت استبدلها جدي بآلية تسمح -حين نضغط على مفاتيح البيانو- بالحصول على ربع البُعد الذي يميز الموسيقى الشرقية عن الموسيقى الغربية"، وفق ما قالت أبي راشد.

ثنائية اللغة
يتعلق الأمر ببيانو ثنائي اللغة، تماما مثل الكاتبة التي تختلط دائما في ذهنها وطريقة كلامها اللغتان العربية والفرنسية اللتان تتقنهما.

لوحة من الرواية المصورة "البيانو الشرقي"

مشروع هذه الرواية حملته أبي راشد مدة طويلة، ولأنها لم تعثر على الزاوية المثالية لمعالجته، وضعته جانبا وأنجزت مشاريع أخرى كثيرة جلبت لها شهرة كبيرة في ميدان الروايات المصورة.

ومن بين هذه المشاريع سيرة ذاتية عُرضت صفحاتها الأولى في "المعهد الفرنسي" في بيروت عام 2014، ثم في معرض عن اللغات الأم في فرنسا. وفي هذا المعرض، تعرفت أبي راشد إلى أحد ناشري دار "كاسترمان" وعرضت عليه مشروع "البيانو الشرقي"، فوافق عليه.

وحين انطلقت في إنجاز هذا المشروع، ركزت جهدها على وضع رواية خرافية مستوحاة من وقائع حقيقية، أي تفاصيل سفر جدها إلى فيينا برفقة صديقه، وقصة لقائه بزوجته.

لكنها لاحظت بسرعة أن ما كانت تكتبه حول البيانو الشرقي يتجاوب بعمق في موضوعه مع الصفحات الأولى من مشروع سيرتها الذاتية التي تستكشف فيها علاقتها بالعربية والفرنسية، وبالتالي الثنائية اللغوية، الأمر الذي قادها إلى دمج المشروعين داخل بنية سردية واحدة.

وعن هذه النقطة تقول "ساعدني الجانب الخرافي الذي غلفتُ به قصة جدي الحقيقية في إيجاد النبرة المناسبة لقول أشياء ثقيلة كان يصعب علي التحدث عنها بشكل واقعي. وفي الوقت ذاته، ساهم تقطيع قصة جدي بفصول من سيرتي الذاتية في منح عمق لابتكاره وقدره".

لدينا إذا قصتان متوازيتان في "البيانو الشرقي"، وأزمنة وفضاءات جغرافية مختلفة تتشابك وتتحاور من خلال سلطة الرسم: بيروت استيهامية في ستينيات القرن الماضي، وإنْ رسمتها أبي راشد وفقاً لصور أرشيفية، وبيروت خلال الحرب الأهلية وبعدها، وباريس التي تتراءى من خلال نافذة الشقة التي ستقطنها الرسامة.

لوحة من الرواية المصورة تتحدث عن تمازج العربية والفرنسية في نفسية مزدوجي اللغة

مدونة موسيقية
وأول ما يفتننا في هذه الرواية هو البعد الموسيقى الصافي الذي يلف جميع صفحاتها ويتغلغل في أصغر تفاصيلها. "أردتُ أن يشعر القارئ بأنه أمام مدونة موسيقية، أن يتحرك ويتراقص كل شيء تحت نظره، كما لو أنه يشاهد كوميديا موسيقية"، تقول أبي راشد.

ولا شك أن نجاحها في ذلك يعود إلى مهاراتها في الرسم التي سمحت لها بصقل صوت خاص داخل الرواية لا يرتبك داخل جدلية اللغتين اللتين تتقنهما، بل يحضر بمفرداته التشكيلية الغنية ويضطلع بمهمة التعبير عما تريد أبي راشد قوله حين تعجز كلماتها عن ذلك.

وفعلا، تسمح الرسوم بتمرير عواطف ورقة وبراءة في كل مشهد من الرواية، وفي الوقت ذاته تساهم بقوة في صياغة استعارة مؤثرة لذلك اللقاء بين الثقافتين الشرقية والغربية اللتين تتعايشان داخل الفنانة.

الرواية المصورة تروي قصة مخترع البيانو الشرقي

وتكمن قيمة "البيانو الشرقي" أولا في هذه النقطة بالذات، أي في تعاون نص هذا العمل ورسومه من أجل إيصال رسالة واحدة مفادها أن التعددية اللغوية والثقافية هي مصدر غنى أكيد.

وفي هذا السياق، نقرأ هذه الرواية كنشيد لبيروت ما قبل الحرب التي يعود أحد أسباب إشراقها وازدهارها آنذاك إلى تشكيلها جسرا بين ضفتي المتوسط، وبالتالي إلى تفاعل ثقافات الشرق والغرب داخلها بتناغم كبير.

تبقى ملاحظة أخيرة حول مقارنة بعض النقاد أسلوب أبي راشد الرسومي بأسلوب الرسامة الإيرانية مرجان ساترابي من منطلق استخدامهما الحصري للأبيض والأسود، وتقطيعهما الجريء للمشاهد.

غير أن رسوم أبي راشد تختلف عن رسوم ساترابي بجانبها الزخرفي المنمق وبالتكرار المغناطيسي لبعض النماذج الزخرفية أو الشخوص داخل المشهد الواحد، وباكتساح الحروف أو الكلمات بعض الشرائط، مما يجعل من قراءة رواياتها المصورة متعة حقيقية للذهن والعين معا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة