التصدي للأمراض المزمنة   
السبت 1436/5/24 هـ - الموافق 14/3/2015 م (آخر تحديث) الساعة 18:14 (مكة المكرمة)، 15:14 (غرينتش)

جورج وايز*

كثيرون منا يصيبهم الرعب من احتمال الإصابة بسكتة دماغية موهنة أو نوبة قلبية قاتلة، ولكنّ قليلين منا يستجيبون على النحو العاطفي نفسه للتهديد المتمثل في الأمراض المزمنة، وهو المصطلح الغامض المرن الذي قد يكون مفيدا في الأساس لتنظيم الخدمات الصحية، ورغم هذا فإن المرض المزمن تحول إلى مشكلة اجتماعية كبرى تتطلب استجابة جماعية.

تاريخيا كان مصطلح المرض المزمن يشير إلى حالات تدوم لفترة طويلة، ولكن مع التنظيم المتزايد للطب حول أمراض معينة أصبح المصطلح يشير إلى مجموعة مفتوحة من الحالات التي تتضمن أمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان والسكري، ولكن ليس الأمراض المعدية، مثل السل والملاريا، أو المرض العقلي.

وفي القرن الـ19 كانت الأمراض المزمنة تمثل مشكلة كبيرة لأن من يعانون منها كانوا يشغلون الأسرّة النادرة في المستشفيات التي كانت تركز بشكل متزايد على علاج الأمراض الحادة القابلة للعلاج.

غير أن الأمراض المزمنة سرعان ما تحولت إلى قضية أكثر اتساعا في مجال الصحة العامة مع تزايد الوفيات بسبب السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري. والواقع أن الزيادة الأولية في أعداد الوفيات المسجلة نتيجة هذه الأمراض كانت تعكس في الأرجح تحسن أدوات التعرف والتشخيص، إذ إن تعبئة شهادات الوفاة ليست علما دقيقا، ويركز الأطباء على الأسباب التي تعودوا عليها.

بمرور الوقت ارتفعت معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة في البلدان المتقدمة

معدلات الإصابة
وبمرور الوقت يكاد يكون من المؤكد أن معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة ارتفعت في البلدان المتقدمة، ومع إخضاع الأمراض المعدية للسيطرة بشكل متزايد ازدادت أعداد الناس الذي يعيشون إلى سن متقدمة حتى وإن أصبحوا عرضة للأمراض الطويلة الأمد، ونتيجة لهذا فإن الأمراض المزمنة الآن تشمل نسبة كبيرة من إجمالي الحالات التي تعالجها أنظمة الرعاية الصحية.

إن مصلحتنا المشتركة في التصدي لمشكلة الأمراض المزمنة لا تستند إلى إحصاءات وبائية فحسب، بل إنها تعكس أيضا مخاوف عميقة قديمة عن التأثيرات المترتبة على الحضارة: اكتظاظ المناطق الحضرية بالسكان، وأنماط الحياة التي تتطلب الجلوس لفترات طويلة، والعادات غير الصحية مثل استهلاك التبغ والخمر، والإفراط في تناول الطعام، والإجهاد.

وقد أصبحنا فضلا عن ذلك مقتنعين بأن أغلب الأمراض -بما في ذلك الحالات الميؤوس منها سابقا- من الممكن الوقاية منها أو علاجها أو تخفيف وطأتها أو السيطرة عليها بالطب العلمي، وأن حتى المرضى الذين من غير المرجح أن يستفيدوا منها يتمتعون بحق الرعاية الطبية.

ومع تحول الأمراض المزمنة إلى مشكلة اجتماعية متزايدة الانتشار كان التعامل معها بنهجين: النهج الأول يعتمد على التعامل مع كل مرض على حدة، ومن بين الأمثلة البارزة على ذلك جمعية السرطان الأميركية، وجمعية القلب الأميركية، فضلا عن المعاهد البحثية المتخصصة التابعة للمعاهد الصحية الوطنية.

النهج الثاني للتعامل مع الأمراض المزمنة يقوم على التعامل معها باعتبارها مشكلة شاملة واحدة، وهو نهج اتبعته الولايات المتحدة

مشكلة شاملة
أما النهج الثاني فيقوم على التعامل مع هذه الأمراض باعتبارها مشكلة شاملة واحدة، ومن الأمثلة الأولى على هذا النهج كانت الولايات المتحدة، حيث كان التركيز على تدابير الرفاهية الاجتماعية والتأمين الصحي للسكان المعرضين للخطر -كبار السن والمعوقين وأفقر الفقراء- سببا في إعطاء دفعة قوية لجهود مكافحة انتشار الأمراض المزمنة بينهم على نطاق واسع، أما الدول الأوروبية المشغولة بأنظمة الرعاية الصحية الوطنية التي تعالج احتياجات السكان بالكامل فقد استغرقت وقتا أطول للتحرك نحو إستراتيجيات شاملة.

وكان كل من النهجين سببا في ظهور أشكال جديدة من المراقبة الوبائية، فمنذ خمسينيات القرن العشرين -على سبيل المثال- كان في الميدان متسع لعوامل الخطر، وهو المفهوم الذي انبثق من المناقشات بشأن التأثيرات الصحية المترتبة على استهلاك التبغ ودراسات أمراض القلب والأوعية الدموية التي قد ترجع إلى أسباب محتملة متعددة.

بل إن بعض عوامل الخطر -مثل ارتفاع ضغط الدم والكولسترول- تحولت هي ذاتها إلى أمراض مزمنة تتطلب العلاج الطبي والجراحي أحيانا، والمساهمة بشكل أكبر في ارتفاع معدلات المرض.

أنظمة الرعاية الصحية الضخمة لا يمكنها أن تحول المسار بسهولة أو بسرعة، ولكن مثل هذه الجهود قد تشكل خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح بتركيزها على الحاجة إلى توفير الرعاية اللائقة والأقل تكلفة للأمراض المزمنة

رؤية جديدة
ومؤخرا، أكدت رؤية جديدة للرعاية الصحية -والتي انبثقت من حركة الرعاية الموجهة في الولايات المتحدة- على أهمية تبني نهج شامل لمعالجة هذه الحالات.

وبعد أن كان الهدف في الأصل خفض التكاليف تحول الآن إلى توفير رعاية صحية أكثر ملاءمة لعصر جديد، والفرضية هنا هي أن الرعاية الطويلة الأمد للعديد من الأمراض تتطلب أشكالا من التنظيم الطبي تختلف عن تلك الموجهة نحو رعاية الحالات الحادة، ومن الممكن تجنب النوبات الحادة والعلاج المكلف في المستشفيات من خلال توفير الدعم بالاستعانة بفرق متمرسة للرعاية الذاتية للمرضى.

كانت المبادرة الأكثر نجاحا وراديكالية بين هذه المبادرات نموذج الرعاية المزمنة الذي وضعه الطبيب الأميركي إدوارد واجنر، وهناك مبادرة أقل شمولا تتمثل في نموذج البيت الطبي الذي تم تطويره بالولايات المتحدة أيضا، والذي يسعى إلى إنشاء فرق من مقدمي الرعاية تتولى توفير القدرة على الوصول إلى الرعاية بشكل أفضل واستمرار الرعاية للمرضى الذين يعانون من أمراض متعددة.

إن أنظمة الرعاية الصحية الضخمة لا يمكنها أن تحول المسار بسهولة أو بسرعة، ولكن مثل هذه الجهود قد تشكل خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح بتركيزها على الحاجة إلى توفير الرعاية اللائقة والأقل تكلفة للأمراض المزمنة.
_______________
* أستاذ تاريخ الطب في جامعة ماكجيل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة