واشنطن ترغم شارون على التراجع   
الأربعاء 24/1/1422 هـ - الموافق 18/4/2001 م (آخر تحديث) الساعة 3:00 (مكة المكرمة)، 0:00 (غرينتش)


باريس - وليد عباس
تقاسمت التطورات الخطيرة في قطاع غزة أمس العناوين الرئيسية في الصحف الفرنسية الصادرة اليوم، مع تحليلات الوضع الداخلي الفرنسي بعد المداخلة التلفزيونية لرئيس الحكومة ليونيل جوسبان مساء أمس.

وأبرزت كافة الصحف نبأ انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة في المساء بعد أن احتل أقساما منه في الصباح، كما أفردت عدة صفحات داخلية لتحليل نتائج هذا التصعيد الخطير، وبرز شيء من التمايز في التعليق على ما حدث في العناوين الرئيسية.

وبينما قالت صحيفة ليبراسيون في عنوانها "تساهال (الحيش الإسرائيلي) ينسحب من قطاع غزة"، قالت صحيفة ألفيغارو "واشنطن ترغم شارون على التراجع". وبينما قالت صحيفة فرانس سوار "تساهال على كافة الجبهات"، وقالت صحيفة باريزيان "شارون يستدعي دباباته"، جاء في العنوان الذي اختارته صحيفة لومانيتيه "شارون ينتهك اتفاقيات الحكم الذاتي". ولكن كافة المقالات أجمعت في المضمون على السبب الرئيسي، إن لم يكن السبب الوحيد، لانسحاب الجيش الإسرائيلي في اليوم ذاته من الأراضي التي أعاد احتلالها وهو التحذير شديد اللهجة الذي أطلقه وزير الخارجية الأميركية تجاه الدولة العبرية.

وقالت صحيفة ألفيغارو "شهد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي انقلابا كبيرا، ويبدو أن

التحذير الأميركي الشديد الذي تلقاه شارون يعلن عن عودة قوية للولايات المتحدة إلى ملف الصراع في المنطقة

ألفيغارو

هذا الانقلاب جاء نتيجة للتصريح شديد القسوة الذي أطلقه كولين باول". وحول أسباب هذا الموقف الأميركي قالت الصحيفة "يبدو أن شارون تجاوز خطوطا حمراء أميركية عندما أعاد احتلال أراض تم وضعها تحت سلطة عرفات منذ عام 1994 دون الإعلان عن نيته في انسحاب سريع من هذه الأراضي".

وأضافت "يبدو أن حكومة شارون تلقت تأكيدات الرئيس الأميركي جورج بوش على رغبة بلاده في الانسحاب من الفخ الشرق أوسطي كما لو كانت ضوءا أخضر لإسرائيل للقيام بعمليات واسعة المدى ضد الفلسطينيين، خصوصا وأن رد فعل واشنطن على الغارة الإسرائيلية ضد موقع سوري في لبنان كان ضعيفا وحمل الأميركيون المسؤولية لحزب الله، كما أن شارون كان المدعو الوحيد لزيارة البيت الأبيض الذي لم يحظ عرفات بدعوة لزيارته بعد أن سكنه جورج بوش".

أما بالنسبة للفلسطينيين فإن "التحذير الأميركي الشديد الذي تلقاه شارون يعلن عن عودة قوية للولايات المتحدة إلى ملف الصراع في المنطقة".

وقالت الصحيفة "ينبغي على شارون الآن أن يشرح للناخبين الذين صوتوا له ليضمن أمنهم أن السياسة تقدمت على العمل العسكري" كما قالت صحيفة لوموند، ذلك أن "الهدف الذي اختاره الفلسطينيون لقذائفهم أول أمس لم يكن مستوطنة في قلب الأراضي الفلسطينية أو كيبوتس تم إنشاؤه على الخط الأخضر، وإنما هو مدينة سديروت وهي مدينة صغيرة في قلب إسرائيل وتبعد ثلاثة كيلومترات عن حدود قطاع غزة". ويتفق هذا التطور مع ما أعلن عنه صراحة "بلال" أحد مقاتلي "الوحدات العاملة" لحركة فتح، للموفدين الخاصين لصحيفتي ليبراسيون وألفيغارو قائلا "إننا في حالة حرب ولا نضع أي حدود لعملياتنا، وطالما استمر الإسرائيليون في احتلال أراضينا والامتناع عن تطبيق كافة الاتفاقيات الموقعة منذ أوسلو، فإننا سنواصل المعركة بكافة الوسائل التي نحصل عليها".

ويعلق الموفد الخاص لصحيفة ليبراسيون قائلا "بعد ستة أشهر من المواجهات يبدو أن منطق الصراع قد ضرب جذورا صلبة في نفسية هؤلاء المقاتلين". وأكد أن "الراديكاليين في حركة فتح يتمتعون باستقلال حقيقي نظرا لأنهم لم يستفيدوا أبدا من موقع على الساحة السياسية الفلسطينية"، واقتصر نشاطهم في بداية الانتفاضة -كما يقول بلال- على المشاركة في المسيرات الاحتجاجية "ولكن القمع الإسرائيلي كان رهيبا، وعندما وصل عدد القتلى إلى 300 فلسطيني قررنا إعادة النظر في استراتيجيتنا، واليوم لا يرتدي الفلسطينيون وحدهم ملابس الحداد".

ويرى أحد المستوطنين اليهود في قطاع غزة، في حديثه لموفد آخر لصحيفة ليبراسيون أن "الوضع كان يبدو ميؤوسا منه قبل عام واحد، ولم يكن أحد يتجرأ على تخيل مستقبل المستوطنات في غزة. إلا أن الرأي العام الإسرائيلي انقلب لصالحنا منذ بداية الانتفاضة، وحتى اليسار الإسرائيلي بدأ يدرك حقيقة الأمر". إلا أن المستوطن ذاته استدرك قائلا "ولكن الوضع صعب للغاية، وهناك قتلى وجرحى". بينما قال أحد الجنود الإسرائيليين للمراسل نفسه "إنني جندي احتياطي وأنتمي لليمين، ولا يضايقني أن آتي إلى هنا لأطبق سياسة حكومتي، ولكننا -نحن الذين نؤدي الاحتياطي- لسنا بالكثيرين".


بينما ينفخ شارون على الجمر في الشرق الأوسط، يبدو الغربيون كما لو كانوا مجمدين، في غياب أي مبادرة محددة من الولايات المتحدة

ألفيغارو

وإذا كان البعض يرون في تحذير باول لشارون عودة قوية لواشنطن إلى المنطقة، فماذا عن بقية الدول الغربية والتي تكتفي على ما يبدو بعد الضربات كما قالت صحيفة ألفيغارو التي رأت في مقال خاص عن الموضوع أنه "بينما ينفخ شارون على الجمر في الشرق الأوسط، يبدو الغربيون كما لو كانوا مجمدين في غياب أي مبادرة محددة من الولايات المتحدة، وتعلن الدول الغربية أنها مازالت تعيد النظر في سياستها الشرق أوسطية".

ويكرر المتحدث باسم الخارجية الفرنسية قلق بلاده من التصعيد الخطير، مؤكدا استعداد فرنسا والاتحاد الأوروبي للمساعدة على استئناف الحوار بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، ولاحظت صحيفة لومانيتيه أن هذا التصريح يتناقض جزئيا مع تصريحات المتحدث باسم اللجنة الأوروبية الذي أعلن "ليس لدينا الكثير لنقوله في هذه القضية.. وما نستطيع أن نفعله هو أقل مما نستطيع أن نقول"، قبل أن يؤكد على قلق الأوروبيين من التصعيد الخطير للوضع ويدعو الأطراف المعنية لضبط النفس.

وتتساءل صحيفة ألفيغارو عن السبب وراء هذا الموقف الأوروبي بالرغم من أن أوروبا هي الشريك التجاري الأول في المنطقة، وهي التي تقدم الحجم الأكبر من المساعدات المالية قبل أن تحاول الإجابة قائلة "إن الأوروبيين، وكما هو حال بلدان العالم كله، فضلوا لفترة طويلة عملية السلام العربية الإسرائيلية معتقدين أنها ستتجاوز ثغراتها، وعندما فشلت هذه العملية واشتعل العنف يجد الأوروبيون أنفسهم اليوم بدون استراتيجية بديلة, بينما تواجه الولايات المتحدة -التي يعتبرها كل من الفلسطينيين والإسرائيليين الجهة الوحيدة القادرة على التأثير في الطرف الآخر- موقفا محيرا بين سياسة كلينتون التي حاولت فرض حل للأزمة، ورغبة بوش في الانسحاب منها".

على كل الأحوال فإن قسما من الطبقة السياسية والرأي العام الإسرائيلي يعتبر كما تقول صحيفة لوموند أنه ينبغي على الجيش الإسرائيلي أن يكون أكثر حزما، خصوصا وأن بعض الخبراء الإسرائيليين يرون في الهجوم على سديروت ردا غير مباشرا من قبل السوريين على الغارة الإسرائيلية التي تعرض لها أحد مواقعهم في لبنان، ونقلت الصحيفة رد الفعل السوري واللبناني على هذه الغارة، وخصوصا تصريح مسؤول سوري بأن بلاده تحتفظ بحق الرد على هذا الاعتداء، كما نقلت الصحيفة ردود الفعل العالمية المختلفة بدءا من الأمم المتحدة ومرورا بمواقف واشنطن وموسكو وباريس وحتى الموقف السعودي.

تصعيد أم انفجار؟
ويبقى السؤال المطروح عما إذا كان هذا التصعيد الإسرائيلي يمكن أن يؤدي لانفجار الوضع على مستوى المنطقة أم لا؟


ميزان القوى مختل بشكل كبير جدا لصالح إسرائيل، حيث لا تمتلك أي دولة عربية إمكانيات الرد أو تهديد الدولة العبرية عسكريا

فريدريك أنسل -باريزيان

يستبعد ذلك فريدريك أنسل الخبير الفرنسي في الجيوبوليتيك في حديث لصحيفة باريزيان، ويرى أن "ميزان القوى مختل بشكل كبير جدا لصالح إسرائيل حيث لا تمتلك أي دولة عربية إمكانيات الرد أو تهديد الدولة العبرية عسكريا، ويؤكد ذلك أن الرد السوري على الغارة الإسرائيلية اقتصر على موقف كلامي، والسبب في ذلك هو أن الولايات المتحدة تزود مصر والسعودية بأسلحة أدنى، من حيث النوعية، من تجهيزات تساهال، وحرصت واشنطن باستمرار على تجنب المساواة الاستراتيجية بين هاتين الدولتين وبين حليفتها إسرائيل، بينما تعاني سوريا من مشاكل صيانة تجهيزاتها العسكرية الروسية والصينية، وكافة هذه الجيوش أقل قدرة من الجيش الإسرائيلي".

ويقول الخبير الفرنسي "كما أن ميزان القوى السياسي الاقتصادي ليس في صالح الدول العربية، حيث لا تستطيع مصر، وهي قوة إقليمية رئيسية، السماح لنفسها بإغضاب الولايات المتحدة، فهي تتلقى منها 2.1 مليار دولار سنويا منذ التوقيع على اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية في كامب ديفد".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة