قصيدة النثر وما تتميز به عن الشعر الحر   
الأربعاء 1433/12/8 هـ - الموافق 24/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 21:07 (مكة المكرمة)، 18:07 (غرينتش)

أمجد ناصر

في عدد مجلة "شعر" البيروتية رقم 22 الصادر عام 1961، وفي زاوية "أخبار وقضايا"، تشنُّ الشاعرة العراقية الرائدة نازك الملائكة هجوماً عنيفاً على مجلة "شعر" التي تسمي -في رأيها- النثر شعراً، وترى في إطلاق هذه التسمية تعبيراً عن "شعور أولئك المطلقين بالنقص أمام الشعر الحقيقي (...)، كما أن هذا الإطلاق تحقير للشعر واللغة العربية والجماهير العربية، وللأمة العربية"!

هذا ما تورده الناقدة المرموقة خالدة سعيد في كتابها "يوتوبيا المدينة المثقفة" دون أن تتوقف طويلاً عند هذا الهجوم الكاسح، ولكنها تبيِّن لنا سببه: فقد كانت خالدة تناولت في عدد سابق كتاب محمد الماغوط "حزن في ضوء القمر"، وسمَّت نصوص هذا الكتاب (المثير والفريد من نوعه حينها) شعراً، رغم أنها لا تتوافر على وزن أو قافية، وهما علامتان رافقتا القصيدة العربية ودلَّتا عليها حتى تلك الفترة التي كتبت فيها الملائكة رسالتها الغاضبة إلى المجلة البيروتية.

ويبدو أن نازك الملائكة التي تراوح موقفها بين التجديد والمحافظة، ظنَّت أنَّ خالدة سعيد وصفت نصوص كتاب الماغوط المذكور، بأنها "قصائد نثر" وحسبتها -بالتالي- على الشعر الذي له عندها، مهما تحدَّث وتجدَّد، علامات فارقة لا يكون دونها، أهمّها الوزن (التفعيلة في أقصى درجات التجديد!).

ما يهمني هنا ليس غضبة الملائكة المُضَرية، بل ردّ مجلة "شعر" الذي جاء في الباب نفسه دون توقيع، وإن كنت أرجِّح أنه بقلم أدونيس الذي اهتمَّ في تلك الفترة مع أنسي الحاج "بالتنظير" لقصيدة النثر.

ستمرُّ نحو أربعة عقود على ذلك التأكيد الحاسم الواعي في آن، بأنَّ ما يكتبه الماغوط يوضع في خزانة الشعر الحر وليس في خزانة قصيدة النثر، دون أن يجري أي نقاش عربي جدي حول مصطلح قصيدة النثر

يقول رد المجلة بأن "قصيدة النثر شعر، لا نثر جميل، وأنها مكتملة ككائن مستقل وحي لا يقبل غير تسميته (...)، إن خالدة سعيد سمَّت (حزن في ضوء القمر) شعراً ولم تسمّه قصائد نثر، فلِمَ تبنَّت نازك الملائكة تسمية قصيدة نثر ثم راحت تهاجم هذه التسمية على أنها من ارتكاب خالدة سعيد".

وأخيراً يقرر كاتب الردِّ على نحو قاطع وحاسم أن "إنتاج الماغوط في (حزن في ضوء القمر) شعرٌّ حرٌّ وليس قصائد نثر"!

ستمرُّ نحو أربعة عقود على ذلك التأكيد الحاسم، الواعي في آن، بأنَّ ما يكتبه الماغوط يوضع في خزانة "الشعر الحر" وليس في خزانة قصيدة النثر، دون أن يجري أي نقاش عربي جدي حول مصطلح قصيدة النثر، فلم تترك تلك الفقرة الواردة في ردِّ مجلة "شعر" (مغفل التوقيع)، وغيرها من الخطرات والمقالات المتفرقة، حول الفارق بين قصيدة النثر والشعر الحرّ أثراً على مصطلح "قصيدة النثر" الذي كان يشهد في تلك الفترة خطواته الأولى على أرض الكتابة الإبداعية العربية، ولن يوجّه ذلك الوعي الذي بدا في ثنايا ردّ المجلة على نازك الملائكة "قصيدة النثر" العربية في الاتجاه الذي كان ينبغي أن تسلكه.

وبين تاريخ تلك الفقرة (1961) وبداية السجال العربي حول "قصيدة النثر" الذي دشَّنه عبد القادر الجنابي في مجلته "فراديس" (1993)، ستُكْتَبُ لمصطلح "قصيدة النثر" حياة أخرى في الشعر العربي.

ستكون هناك "قصيدة نثر" لا تشبه أي "قصيدة نثر" في أيِّ شعرية عرفت هذا المصطلح، فلم تسمّ أي شعرية في العالم "الشعر الحر" قصيدة نثر، لم يحصل هذا قط.

إنَّه التباس عربي خالص، وسوء فهم لم يجد من يصححه رغم المداد الغزير الذي سُفِحَ  في الدفاع عن "الشعر الحر" أو الهجوم عليه، الأمر الذي يفترض -في المدافعين على الأقل- معرفة ما يعنيه "الشعر الحر" ذو الأصل الأوروبي، شأنه شأن قصيدة النثر.

هذا في الواقع ما يتصدى له عبد القادر الجنابي، الشاعر والمترجم والناشط الثقافي العراقي، الذي انشغل بقضايا الشعر والترجمة، كتابةً وإصدارات، لنحو ثلاثة عقود أو أكثر.

فبين دفتي كتابه "قصيدة النثر وما تتميز به عن الشعر الحر" (دار "الغاوون" بيروت 2010) مادة فريدة من نوعها بخصوص ما كتب عن قصيدة النثر عربياً. وتكمن هذا الفرادة برأيي، في اقتران المعرفي بالتطبيقي، حتى إنه بوسع الكتاب أن يكون دليلاً لمن يريد أن يعرف ما هو "الشعر الحر" وما هي "قصيدة النثر"، إضافة إلى ترجمة منتخبات من كلاسيكيات قصيدة النثر.

المدهش في الأمر أن الشعراء والنقاد العرب الذين انشغلوا بالتنظير للتجديد سواء تعلق الأمر بالتفعيلة أو بقصيدة النثر، لم يقدموا مادة مقنعة على هذا الصعيد، واكتفوا بنُتفٍ مما قرؤوه في المراجع الغربية أو بتهويمات من بنات أفكارهم

يتساءل الجنابي لِمَ لم يترجم الشعراء والنقاد والمترجمون العرب المهتمون بالمثقافة مع "الآخر"، خصوصاً على  المستوى الشعري، كتاب مانسيل جونز عن "الشعر الحر" الذي أصدرته منشورات جامعة كمبريدج البريطانية عام 1951، وأعيدت طباعته عام 1968، وهو يعتبر من أهم المراجع الأولى حول حركة الشعر الحر الفرنسي، فضلا عن تضمنه شهادات لمؤسسي الشعر الحر تتناول الخلفية التاريخية التي مهدت لظهور هذا الشعر في فرنسا، ومن بين هذه التمهيدات قصيدة النثر.

فقد كان من شأن ذلك كما يستنتج الجنابي، أن يتيح للقارئ العربي الوقوف على أول تقديم تعريفيّ لمصطلح قصيدة النثر، ولربما دفع هذا التعريف عدداً من الشعراء الشباب -آنذاك- إلى كتابة قصائد نثر عربية رائدة بالمعنى الصحيح للمصطلح.

المدهش في الأمر أن الشعراء والنقاد العرب الذين انشغلوا بالتنظير للتجديد سواء تعلق الأمر "بالتفعيلة" أو "بقصيدة النثر"، لم يقدموا مادة مقنعة على هذا الصعيد، واكتفوا بنُتفٍ مما قرؤوه في المراجع الغربية أو بتهويمات من بنات أفكارهم.

وجه الإدهاش يكمن في أن الحرب التي كانت مستعرة بين دعاة "التجديد" وسدنة الماضي استلزمت ترجمة أعمال مرجعية ككتاب جونز، تلقي أضواء على المسالك "الجديدة" التي كانوا يتأهبون لدخولها.

والطريف أن فكرة "المؤامرة الأجنبية" على اللغة والشعر (الهوية، التراث، الذات) ليست حكرا علينا نحن العرب، فقد اتهم المدافعون عن التقاليد الأدبية الفرنسية "الشعر الحر" بأنه مؤامرة أجنبية لتهديم نقاء اللغة الفرنسية بتهديم العمود الأساسي للشعر: البحر السكندري!

ويقول الجنابي إن ترجمة بعض قصائد الشاعر الأميركي والت ويتمان (صاحب ديوان "أوراق العشب") مهدت لظهور الشعر الحر الفرنسي عبر استعمال أسلوب سيعرف في ما بعد باسم "الشعر الحر"، وسيكون لهذه الترجمات دور مؤثر على الشاعرين غوستاف كان وجول لافورغ (الذي ترجم قصائد "ويتمان" إلى الفرنسية)، وهذا يؤكد دور الترجمة التاريخي في إحداث تغيرات -وأحيانا انعطافات- في مسارات أدبية تبدو مستقرة و"مكتفية" بذاتها. 

ولعل ذلك شبيه بالأثر الذي أحدثته ترجمة الأديب اليمني المصري أحمد علي باكثير لمسرحية شكسبير "روميو وجولييت" التي ترجمها باستخدام "التفعيلة" في المشهد الشعري العربي الذي امتصَّها -بوعي أو من دون وعي بريادتها- ليعيد إنتاجها من خلال ما عُرف لاحقاً باسم حركة الشعر الحديث أو الحر، وبهذا يكون باكثير أول شاعر عربي يقدم على كتابة عمل كامل -حتى لو كان ترجمة- بواسطة بحر شعري موحد التفعيلة.

قد يكون من قبيل الوعي المتأخر أو رفع الصوت بعد فوات الأوان أن نعيد طرح السؤال البديهي: ما هي قصيدة النثر؟ لكن تذكّرنا لمثل إنجليزي سائر يقول في ما معناه: ليس هناك وقت متأخر، يجعل ذلك السؤال مبرراً، بل وربما ضرورياً

وها هو باكثير يشير دون مواربة إلى التفعيلة الواحدة دون أن يسميها شعراً حراً بالقول "فاكتشفتُ بعد لأيٍ أنَّ البحور التي تصلُح لهذا الضرب الجديد من الشعر هي تلك التي تتكوَّن من تفعيلةٍ واحدة مكرَّرة، كالكامل والرجز، والمتقارب والمتدارك والرمل، لا تلك التي تتألَّف من تفعيلتين مختلفتين، كالسريع والخفيف والبسيط والطويل، فإنها لا تصلح".

كان ينتظر أن يعيد كتاب الجنابي فتح السجال حول مصطلحي "الشعر الحر" و"قصيدة النثر" لكنه لم يفعل.. والعلة ليست في الكتاب بل في الظرف العربي الثائر والمضطرب الذي صدر فيه الكتاب من جهة، وحال الخمول الثقافي العربي دون ذلك من جهة ثانية.

إنه من المثير أن تكون الحياة العربية، اليوم، على هذا القدر من الحراك والسيولة فيما الثقافة على هذا القدر من الجمود، إن لم أقل من الشلل، حتى في خصوص الأسئلة التي تطرحها الثورات والانتفاضات العربية من أسئلة طارئة وملحّة.

قد يكون من قبيل الوعي المتأخر أو رفع الصوت بعد فوات الأوان أن نعيد طرح السؤال البديهي، السؤال الأولي: ما هي قصيدة النثر؟ لكن تذكّرنا لمثل إنجليزي سائر يقول في ما معناه: ليس هناك وقت متأخر، يجعل ذلك السؤال مبرراً، بل ربما ضرورياً.

سأعرض هنا لبضعة محددات يعتبرها الجنابي أساسية لتمييز قصيدة النثر عن "الشعر الحر"، أو حتى عما "يشبهها" من كتابات نثرية فنية أو شعرية.

- قصيدة النثر قصيدة مادتها النثر، وعلى العكس من القصيدة الحرة فهي ولدت على الورقة، أي كتابياً، وليس لها أصل شفوي كما هو حال قصيدة الشعر الموزون أو "الحر"، وهي بهذا المعنى لم ترتبط بالموسيقى كالشعر ولم يقترح كتابها أن تغنى، ولا يمكن أن تقرأ ملحمياً أو بصوت جهوري يحافظ على الوقفة الإيقاعية القائمة بين بيت وآخر.

- وتتسم قصيدة النثر بغياب التقطيع (التشطير) ففي النظم الحر هناك فراغ في نهاية كل بيت/شطر يسميه كلوديل "البياض"، وهذا البياض هو لحظة تنفس إيقاعي ضروري لجمالية القصيدة المُشَطَّرة. قصيدة النثر بالعكس تكتسب هيئتها وحضورها الشعري من بنية الجملة وبناء الفقرة التي تجعل القارىء مستمراً في القراءة حتى النهاية.

وأخيراً.. تتخلص قصيدة النثر من وظيفة الوصف بغرضية منطقية، فبفضل عنصر "اللاغرضية" يتخلص السرد الذي هو سمة رئيسية في قصيدة النثر، من منطقيته النثرية، فهو ليس مخططاً روائياً يريد أن يصل إلى نتيجة ما، وإنما غرضه غرض فني جمالي محض.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة