بريجنسكي: الطائفية الدينية تغذي الصراع بالشرق الأوسط   
الثلاثاء 1436/3/2 هـ - الموافق 23/12/2014 م (آخر تحديث) الساعة 18:31 (مكة المكرمة)، 15:31 (غرينتش)

قال زبيغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق وأستاذ السياسة الخارجية الأميركية في جامعة جونز هوبكنز، إن واشنطن لا تعيش "فترة من التقهقر"، ولكن عملية إعادة توزيع القوة العالمية أفضت إلى موقف لم تعد معه أميركا القوة المهيمنة الوحيدة.

ولمح بريجنسكي إلى احتمال أن يتخذ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين -بعد تصعيد العقوبات الغربية على بلاده- وضعا هجوميا ويفتعل أزمة دولية كبيرة، وربما يستحدث شكلاً جديداً من أشكال الحرب المباشرة بين الشرق والغرب، وفق وصفه.

وفي ما يلي نص الحوار:

مع الغزو الروسي لأوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم، وتفكك حدود العراق وسوريا، وتزايد حِدة العدوانية الصينية في بحري جنوب وشرق الصين، يبدو الأمر كأن عصر ما بعد الحرب الباردة انتهى عام 2014، هل هذا صحيح؟

- عصر ما بعد الحرب الباردة لم يكن "عصرا" بالمعنى المفهوم، وإنما كان بمثابة مرحلة انتقالية تدريجية من حرب باردة ثنائية إلى نظام دولي أكثر تعقيداً وما زال ينطوي في التحليل النهائي على قوتين عالميتين.

باختصار، أصبح المحور الحاسم في النظام الجديد يتألف على نحو متزايد من الولايات المتحدة وجمهورية الصين الشعبية. وتنطوي المنافسة الصينية الأميركية على حقيقتين مهمتين تميزانها عن الحرب الباردة، فتوجهات كلا الطرفين لا تتسم بالأيدولوجية المفرطة، وكلاهما يدرك أنه يحتاج حقاً إلى التسوية المتبادلة.

في عام 2014، تراجعت أهمية "محور آسيا" الأميركي المفترض لصالح الأزمتين في أوكرانيا والشرق الأوسط. ولكن إلى أي مدى تسببت حالة عدم اليقين بشأن التزام واشنطن بتأجيج التوترات بين الصين وحلفاء أميركا في آسيا؟

- لا أتفق مع مقدمة هذا السؤال، وأعتقد أن أميركا أوضحت تماماً أن تجنب المواقف التي قد تدفعها والصين إلى التصادم تصب في مصلحة الطرفين. وتشير الدلائل الأخيرة التي تؤكد نشوء حوار أولي بين الصين والهند، وبين الصين واليابان، إلى أن الصين أيضاً تدرك أن تصعيد المظالم القديمة لا يصب في مصلحتها.

والواقع أن المشكلة الأكثر خطورة مع "محور آسيا" كانت في صياغته الفعلية التي أشارت ضمناً إلى موقف عسكري مصمم على "احتواء" أو "عزل" الصين. وأدرك الصينيون بوضوح أننا لم نكن نحاول عمداً عزلهم، ولكننا لدينا مصلحة في تجنب الصدامات في الشرق الأقصى والتي قد تؤدي إلى تداعيات أوسع.

استخدم الرئيس الصيني شي جين بينغ حربه ضد الفساد لتركيز قدر أكبر من السلطة بين يديه، مقارنة بأي زعيم صيني منذ دنغ شياو بينغ (الرئيس الصيني بين عامي 1978 و1992)، فكيف ترى تطور رئاسة الرئيس الحالي؟

- تعريف السلطة في الصين غير رسمي إلى حد ما، وتساهم الحقائق السياسية في تعيين حدودها بشكل أشد تأثيراً من أي ترتيبات دستورية. وهذا من شأنه أن يجعل من الصعب أن نجزم بأن سلطة "شي" أعظم من سلطة أي زعيم صيني منذ دنغ.

من المؤكد أنه يتمتع بشخصية متسلطة، ولا شك أنه أكثر نشاطاً على الساحة السياسية من بعض أسلافه من الرؤساء. كما كان حازماً للغاية في مهاجمة الفساد المتنامي الذي أصبح مصدر إزعاج شديد في الداخل، حتى أنه امتد إلى أعلى مستويات الحكم.

وفي هذا الصدد، ربما يكون بوسعنا أن نزعم أن سلطته أوسع نطاقاً من سلطة أسلافه، ولكن -إحقاقاً للحق- ينبغي أن نشير أيضاً إلى أن أنماط الفساد التي واجهها أسلافه لم تكن بهذا القدر من الحِدة والانتشار الذي أصبحت عليه في السنوات الأخيرة.

من ناحية أخرى، يبدو أن التأكيد المتزايد في الصحف التابعة للحزب على الاقتراح بأن القوات المسلحة الصينية لا بد أن يُنظر إليها باعتبارها خادمة للحزب الشيوعي وليس للأمة ببساطة، يشير إلى تخوفات مفادها أن المؤسسة العسكرية ربما تعكف على تطوير منظور خاص للشؤون الداخلية الصينية، فضلا عن إعلانها -بشكل متزايد الجرأة- عن مسؤوليتها عن الأمن القومي. ومن المفهوم تماماً أن نخبة الحزب لا يروقها هذا الموقف.

هل يستطيع نظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يتحمل فترة طويلة من أسعار الطاقة المنخفضة والعقوبات الغربية؟ وما المخاطر التي ترى أنها قد تنشأ إذا استمر الاقتصاد الروسي في الانحدار، مع عجز بوتين بشكل متزايد عن مكافأة قاعدته السياسية؟

الحدث التي قد يفاجئ العالم عام 2015 هو الظهور التدريجي لطبقة متوسطة ليبرالية أكثر حزماً على الساحة السياسية في روسيا. والواقع أن هذه الطبقة بدأت تضطلع بدور أكثر أهمية في صياغة السياسة الروسية المحلية والدولية في عهد مدفيدف

- هناك بطبيعة الحال خطر يتمثل في أن بوتين ربما يختار عند نقطة معينة اتخاذ وضع هجومي وافتعال أزمة دولية كبيرة، وربما يستحدث شكلاً جديداً من أشكال الحرب المباشرة بين الشرق والغرب.

ولكن لكي نتوقع أمراً كهذا ينبغي أن نفترض أيضاً أن بوتين ذاته شخص غير متزن، وأنه تحول إلى نوع من حرب العصابات ضد الغرب، مع إمكانية التراجع دائما إلى حرب شاملة. وستكون النتائج خارج التكهنات بطبيعتها، ولكنها ربما تكون في كل الأحوال مدمرة لرفاهية روسيا ورخائها.

وإذا استمر اقتصاد روسيا في الانحدار، ونجح الغرب في ردع بوتين عن استخدام المزيد من القوة، فربما يدفع ذلك للتوصل إلى حل مقبول. ولكن هذا يتوقف بدوره على مدى حزم الغرب في دعم جهود أوكرانيا لتحقيق الاستقرار.

في أعقاب انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان والعراق، يرى قسم كبير من العالم الآن أن واشنطن تمر بفترة من "التقهقر" أشبه بتلك التي شهدتها في حقبة ما بعد حرب فيتنام. فهل تتبنى واشنطن شكلاً جديداً من أشكال الانعزالية الجديدة؟ أم هل يكون تحول أميركا الظاهري إلى الداخل وجيزاً كما كان في أعقاب فيتنام؟

- لا أعتقد أن واشنطن تعيش "فترة من التقهقر"، فحقيقة الأمر أن عملية إعادة توزيع القوة العالمية أفضت إلى موقف لم تعد الولايات المتحدة معه القوة المهيمنة الوحيدة. ويتعين على واشنطن أن تُقر بحقيقة مفادها أن العالم أصبح الآن أكثر تعقيدا. والواقع أن ما يُعجّل بانتشار الصراع في مختلف أنحاء الشرق الأوسط حالياً، هو صعود الطائفية الدينية وليس التدخل الأميركي في حد ذاته.

وفي ظل هذه الظروف المضطربة، يتعين علينا أن نكرس قدراً أعظم من الاهتمام للمصالح الوطنية لدول مثل تركيا، وإيران، والمملكة العربية السعودية، ومصر، وإسرائيل. وعلى نحو مماثل، لا ينبغي أن يُسمَح لمصالح أي من هذه الدول بالتحول إلى مجمل المصلحة الأميركية.

ما الحدث الذي سيفاجئ العالم عام 2015؟

- ربما الظهور التدريجي لطبقة متوسطة ليبرالية أكثر حزماً على الساحة السياسية في روسيا. والواقع أن هذه الطبقة بدأت تضطلع بدور أكثر أهمية في صياغة السياسة الروسية المحلية والدولية في عهد ديمتري مدفيدف، ولكن مع عودة بوتين إلى السلطة ومغامراته الأخيرة، نُحيت هذه الطبقة جانباً بفعل الشوفينية الوطنية التي أوقِظت عمداً وتم تحفيزها بشكل مكثف.

ولكن التلويح براية الشوفينية قد لا يكون الحل الأفضل في التعامل مع المشاكل الدولية، خاصة إذا كان الغرب ذكياً وموحدا. وبطبيعة الحال، ترغب الطبقة المتوسطة الروسية في العيش بمجتمع أشبه بمجتمعات أوروبا الغربية. والواقع أن روسيا التي تبدأ تدريجياً في الانجذاب نحو الغرب، ستكون أيضاً روسيا التي تتوقف عن تعمد تعطيل النظام الدولي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة