عباس كيارُستمي في شعره المُقطَّر   
الأربعاء 1437/10/16 هـ - الموافق 20/7/2016 م (آخر تحديث) الساعة 17:34 (مكة المكرمة)، 14:34 (غرينتش)

إبراهيم صموئيل

أعتقد بأن أحد أبرز أركان وأسرار براعة النصّ الأدبي -من أيّ جنس كان- هو فنُّ الحذف؛ فبمقدار ما يبذل الكاتب من الجهد في الحذف، والتشذيب، والاختصار، والتكثيف؛ يأتلق النصُّ، ويترع بعصارة الإضافة النوعية إلى المشهد الأدبي.

من دون هذا الجهد -وهو مرهِق للمؤلف وحسّاس في بنية النصّ- لن يكون أمام الكاتب إلا هاوية الثرثرة ومطبّ الإسهاب، بحيث يخرج النصّ من بؤرة تركيز اهتمام القراء، وكذلك من إمكانية جذبهم من مشاغلهم العامّة، وشدّهم إلى عالم النصّ ورؤاه وصوره وتعبيراته.

وفي الآن الذي يغفل فيه عدد كبير من الكتّاب عن أثر هذا الركن، فيمضون في السرد إلى أن يُفرغوا كل ما لديهم من كلام، بصرف النظر عن المحصول، ينكبُّ كتّابٌ آخرون -وهم قلّة- على ضبط النصّ، وتقليمه، وإزالة شحومه الفائضة، وشدّ الترهّل في بنيته إلى أن يستوي قواماً بديعاً يصعب الشطب منه في صياغته الأخيرة.

من هؤلاء الكتّاب المخرج السينمائي عباس كيارُستمي -أيقونة السينما الإيرانية- الذي أنتج إبداعاً شعرياً يستحقّ الوقوف معه كأحد الأمثلة على تجربة الذهاب إلى أقصى مدى في جني غذاء الملكات من مناحل الشعر، وذلك في ديوانه المعنون بإحدى قصائده: "ذئبٌ متربّصٌ" إصدار وزارة الثقافة السورية، وضمن سلسلتها عن "الفن السابع" ترجمة ماهر جمّو.

والقصائد لقطات سينمائية حقاً -وفق تقديم الشاعر بندر عبد الحميد- غير أنها مكتوبة بالكاميرا-القلم، ومرصودة بعين المخرج السينمائي، ومُعبَّر عنها بقلمه الذي شاء أن يكثّف الكلام ويوجزه إلى أبعد الحدود من جهة، ويشحنه بطاقة المعنى الجميل والعميق من جهة أخرى:

"في غيابكِ أتحدّثُ إليكِ / في حضوركِ / أتحدّثُ إلى نفسي"

يُؤاخي المخرج الشاعر بين الصورة والكلمة مُؤاخاةً حميمة تُمكّن القارئَ من المشاهدة عبر الكلمات، والاستماع من خلال الصور، وذلك عبر الضبط الشديد لعدد الكلمات، والحرص البالغ على الاكتفاء بالمشعّ منها فحسب:

"مهرٌ أبيض/ أحمرُ حتى رُكبه / إثر التجوال/ في سهل شقائق النعمان"

وهو إذ يطلق عينَه لترى وتلتقط وتحتفظ فإنه يحررها من الاعتياد، من تراكم غبار المألوف، من صدأ الرتابة والتكرار الذي يعلو العيون عامّة، والذي يحول دون أن يرى المرء الشجرة كما شُوهدت في المرة الأولى، أو أن يتنشّق عطر زهرة تنشّقاً بكراً، أو أن يستمع إلى مياه نهر كما هدرت في المرة الأولى:

"ثورٌ غاضبٌ / عَبَرَ بهدوءٍ / نهراً هادراً / بلا غاية"

ولعلّ ما يميز هذه الصور السينمائية-الشعرية طاقة ملتقطها، وذكاء مقدرته في التعبير عنها، وشغله الدؤوب على شحنها وتكثيفها لتصبح مثل شرارات نار متناثرة هنا وهناك في ليل دامس. وقد أفاد الشاعر، في مرّات عديدة من فن القصة القصيرة، والوامض الخاطف, والمشغول بدقة مثل قلادة من ذهب:

"بصعوبة تتسلق / نملة / جذع شجرة هرمة / تُرى / إلى أين؟"

كما نراه يغوص في المشاعر الإنسانية ليغرف منها لحظات غاية في الرهافة والحساسيّة والدلالة، وغاية في الاختزال أيضاً:

"آخر عَدّاءٍ في الماراثون / يتلفّت خلفه"

وفي واقع الأمر، يحار القارئ وهو يطوي مشهداً بعد مشهد، وتعبيراً بعد تعبير؛ مع أي منها يتوقف، فالفنان الذي يرى الطبيعة بأصغر وأدق تفاصيلها، ويتصيَّد أصغر وأدقّ الخوالج الداخلية؛ يبذل ما في ذهنه من تركيز لتشذيب أيّ نتوء هنا، أو استطالة هناك أو تزيّد لا طائل منه.

إنّه يجهد، ويجتهد في أن تشكّل اللقطات الثلاثمئة التي يضمّها ديوانه فيلماً طويلاً، لا نَملّ منه لحظة، ولا يشغلنا عن متابعته شاغلٌ؛ حتى إذا ما انتهت صفحات الكتاب و"خرجنا" منها، رحنا نعاود في أذهاننا العرض الرشيق الساحر، المترع بالندى، الفيّاض بالمشاعر الداخلية، المرة بعد المرة.

"ذئبٌ متربّصٌ" نصوص شعريّة قصيرة جداً, مشغولة برأس الإبرة، مكتنزة بالدلالة والمعنى. هاجس مبدعها تحقيق ما أمكن من معادلة ما يقلُّ ويدلُّ. فنرى القصائد وهي تتربّص، عَبر مهارة الخبير، بمفردات الطبيعة، ونأمات الروح، وبكارة الدهشة، وطزاجة الذاكرة.. وبنا أيضاً!

وعلى التوازي، كما حلّق كيارُستمي بأفلامه السينمائيّة، حلّق أيضاً بومضاته الشعرية في ديوانه هذا، الذي جاء مثلاً، في جملة أمثلة أدبيّة، على الإيجاز والتكثيف، فأنجز ما لا يقلّ موهبة، وقيمة، وجهداً فنّياً عمّا أنجزه شعراء كبار قرأنا لهم هذا المكثّف المقطّر من الشعر البديع.  

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة