العمران يهدد الأبنية التراثية بلبنان   
الثلاثاء 1432/12/27 هـ - الموافق 22/11/2011 م (آخر تحديث) الساعة 21:06 (مكة المكرمة)، 18:06 (غرينتش)

جمعية أبساد أحصت 1016 مبنى تراثيا لم يسلم من الهدم إلا ربعها (الجزيرة)

نيقولا طعمة-بيروت

بات الزحف العمراني الحديث والمشاريع العقارية الكبرى في لبنان مبعث قلق حقيقي باعتبار أنها تشكل خطرا على الأبنية التراثية التي تتعرض للهدم لتحل محلها أبنية حديثة تدر على أصحابها أرباحا كبيرة.

ولعل خير مثال على ذلك مشروع "سوليدير" الذي أسسه رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، وقام قسم كبير منه على أنقاض المنطقة التراثية في وسط بيروت بعد جرفها.

ويتزايد الاهتمام بما تبقى من أبنية تراثية بعد أن بلغت انتهاكاتها مراحل خطيرة تهدد التراث والتاريخ اللبناني برمته.

المنطقة التراثية وسط بيروت جرفت
لصالح مشروع سوليدير (الجزيرة)
تحركات
التحركات بدأت مع جمعية "أبساد" (١٩٦٠)، وهي أولى الجمعيات من نوعها في لبنان المنادية بالحفاظ على التراث ووقف انتهاكه، إلى جانب "جمعية بيروت للتراث" و"مؤسسة التراث الوطني" و"أنقذوا تراث بيروت" و"حزب الخضر".

أما على الصعيد الرسمي، فجاء التحرك في أعقاب تعرض مسرح "الإنجا" بطرابلس للهدم، وحاول وزير الثقافة آنذاك سليم وردة منع الهدم، لكن القوانين لم تسعفه، فسارع إلى وضع مشروع قانون للحفاظ على التراث والأبنية المهددة إلا أن المشروع لا يزال بانتظار الإقرار في اللجان النيابية.

ويصنف ممثل جمعية أبساد غسان يزبك المشكلة التي تهدد الأبنية التراثية بأنها "مادية في الأساس، يضاف إليها النقص في الوعي والإدراك لأهمية التراث".

وأحصت جمعية "أبساد" ١٠١٦ منزلا تراثيا في بيروت، لم يسلم من الهدم منها سوى الربع تقريبا.

فقر وتوسع عمودي
قبل اندلاع الأحداث اللبنانية ١٩٧٥، ضاقت مساحات الأراضي المخصصة للبناء تحت تأثير الضغط السكاني، فبيعت البيوت الصغيرة بأسعار مرتفعة أغرت أصحابها لكي يقوم الشاري ببناء أبراج عالية مكانها لاحقا.

ويقول يزبك إن "مساحات المدن تضيق بالسكان، فيستعاض عن التوسع الأفقي بالتوسع العمودي، فيهدم البيت القديم لبناء مبنى جديد ضخم مكانه".

في حين يفسر رئيس جمعية "أنقذوا تراث بيروت" جورجيو طراف الاستهتار بالأبنية التراثية، بـ"ظروف طرأت بعد الحرب الأهلية، حيث لم تقدم تعويضات للملاك، وكل الأضرار التي وقعت ببيوت الناس شكلت مبررا لتملك الوسط التجاري، فكان جريمة مذهلة وقعت على بيوت بيروت".

أما ممثل مؤسسة التراث الوطني حارث البستاني فيرى "سبب تعرض التراث لهذه الانتهاكات أنه مادي أساسا في ظل ارتفاع الأسعار، بالإضافة إلى الأوضاع المادية المتردية لأصحاب البيوت القديمة، حيث إنهم لا يستطيعون ترميمها، فيضطرون لبيعها لشركات كبيرة. فالتراث لا يهمهم بقدر ما يهمهم الربح المادي".

وتحدث البستاني عن "صعوبة مواجهة جشع السلطات وأصحاب الأموال، وأيضا أصحاب الأبنية التراثية الذين لا نستطيع الوقوف في وجه أوضاعهم المادية الصعبة دون تأمين بدائل".

غسان يزبك: تم وضع قوانين لإنجاح
مشروع سوليدير (الجزيرة) 
مجزرة
المواجهات الداخلية (١٩٧٥-١٩٨٩)، بالإضافة للاجتياح الإسرائيلي لبيروت ١٩٨٢ ألحقت أضرارا كبيرة بالمباني في وسط العاصمة.

وجرت محاولة لإعادة ترميم ما تهدم أو تضرر، لكن ما لبثت حكومات ما بعد اتفاق الطائف أن أقامت مشاريع ضخمة، مثل مشروع "السوليدير" فقضت على منطقة بيروت التراثية برمتها.

وأوضح يزبك أنه تم وضع قوانين خاصة لإنجاح إقامة "الوسط التجاري"، ففتحت القوانين الأبواب لهدم كل ما له علاقة بالتراث، وما قامت شركة "سوليدير" بتهديمه قدّم التبرير لتشمل الانتهاكات كل لبنان.

ويقول طراف "لم يعد ما يجري في المدينة محتملا، فقد بدأ الهدم بطريقة هائلة وسوق الاستثمار يرتفع مما يهدد المباني التراثية".

وأضاف "أول خطوة قمنا بها كانت مسيرة في شارع الجميزة التراثي منذ سنة ونصف، وتوقفنا عند كل مبنى جرى هدمه وعرضنا قصته".

وتابع "قمنا بتحرك من أجل منع هدم مقهى الزجاج التراثي ومبان أخرى، وقد تمكنا من إنقاذ ما بين ١٥٠ إلى ٢٠٠ مبنى".

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة